هل تغلق الستارة على مشهد تحولات الربيع العربي بما آلت اليه الأوضاع الراهنة وكفى! حيث تبخر حلم التغيير، ويتم حاليا إعادة إنتاج القوى الاجتماعية والسياسية التقليدية وباحتراف، بينما خرجت قوى التغيير الجديدة مبكرا من المشهد. المهم أن نلاحظ في هذه اللحظة مواقف المجتمعات من فكرة التغيير قبل مواقف النخب السياسية، وبالتالي كيف توزعت هذه المجتمعات بين القوى التقليدية ذاتها، فلا جديد على الأرض يمكن أن نمسك به؛ ذاتها خطوط التماس القديمة بين قوى استبدادية تقليدية ومحافظة ذات علاقات قوية بالغرب ودوائر الهيمنة الدولية، وقوى دينية تتوزع على مسطرة التطرف وعلى استعداد للتحالف مع أي قوة في الداخل والخارج للوصول لأهدافها.
 منحنى التراجع الذي تشهده معظم مجتمعات العالم العربي في علاقة المجتمع بالدولة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة يؤكد انحسار قوى التغيير بعد أن وصلت إلى أوج صعودها، وكأننا امام مقولة ابن خلدون حينما وصف سلوك بعض الدول والمجتمعات قبل السقوط "إنها الإيماضة القوية قبل الانطفاء"، فالنار في الشعلة قد تومض مشتعلة لثوان قبل أن تنطفئ تماما، وكأن هذا مصير التحولات العربية.
وهو الأمر الذي يفسره استعادة النظم السياسية والقوى الاجتماعية المتحالفة معها القدرة على تسوير البحيرات الراكدة بأسوار عالية مرة أخرى، وإعادة إنتاج الصراع الاجتماعي مرة أخرى على الأسس التقليدية ذاتها، وانحصار الخيارات الديمقراطية فوق جثث مئات الآلاف من البشر وجيل مشوه جسديا ونفسيا وفكريا.
 مرت فكرة التغيير في الممارسة العربية المعاصرة بأربع لحظات تاريخية حاسمة؛ أولها اللحظة التي صنعت "الاستقلال" وبناء الدولة الوطنية، وفيها تحالفت النخب مع الطبقات الاجتماعية العريضة وصاغت قصة مشاريع الاستقلال، ثم دخلت المجتمعات والنظم السياسية في صراع سياسي – أيديولوجي حول فكرة التغيير، ما أفرغها من مضمونها الاجتماعي والتاريخي وهي اللحظة التاريخية الثانية التي تشكلت من خلالها مجتمعات راكدة وسلطات ونظم إدارة الأمر الواقع.
 اللحظة الثالثة في تاريخ " فكرة التغيير" جاءت مع مشاريع الإصلاح الوافدة من الخارج مع مطلع القرن الراهن، والجديد أن السلطات السياسية التي قاومت التغيير هي التي ركبت موجة التغيير هذه المرة باسم الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بهدف خلق تكييف سياسي يؤمّن لهذه النظم إعادة إنتاج شرعيتها والمزيد من التكييف من أجل الاستمرار والاستقرار، في حين كانت المجتمعات مشدوهة وفاقدة للتوازن أمام التحولات المباغتة، وهو الأمر الذي لم يستمر طويلاً حيث أثبتت الأحداث حجم الخداع التاريخي الذي مر على المجتمعات العربية باسم مشاريع الإصلاح.
 اللحظة الأخيرة الراهنة تعيد بوضوح وبصراحة رفض التغيير والدعوة لاستمرار الأمر الواقع مهما كان الثمن، بل إن القوى الاجتماعية التقليدية تمعن في التحصن ضد التغيير بإعادة إنتاج قواعد اجتماعية طفيلية جديدة على هوامشها. لو نظرنا إلى المشهد من إحدى زواياه وتساءلنا؛ هل المجتمعات العربية غير مستعدة بالفعل للتغيير، ولم تنضج لديها الظروف والمحددات الموضوعية للتعبير السلمي عن الرفض، أم أنها ممعنة بدوامة الصمت والخذلان واليأس من التغيير، وتعبرعن هذا الواقع المرير بتفريغ جماعات العنف المعروفة. ومن الزاوية المقابلة تُطرح أسئلة أخرى؛ هل الثورات والحراكات الاحتجاجية، هل أعادت الناس إلى أوطانهم وهل أعادت أصوات الناس إلى حناجرهم، أم أنها أطلقت وإلى حد لا يمكن تصوره حالة اليأس، فهل تتحمل المجتمعات العربية الجانب الأكبر من شبهة الفشل التاريخي التي تلوح في الآفاق.

المراجع

maqar.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية