وصل حجم التشاؤم السياسي حول مستقبل التسوية السلمية إلى حد أن لا أمل للمفاوضين الفلسطينيين ومَن خلفهم من نخب سياسية رسمية عربية، سوى أن يبقى باب المفاوضات مفتوحا؛ فالحياة مفاوضات! على حد تعبير أحدهم. يبدو ذلك في أوضح صورة بعدما وافق الطرفان على استمرار المفاوضات ضمن المدة التي حددها وزير الخارجية الأميركي وهي تسعة أشهر، في الوقت الذي يعود فيه الاستيطان من أوسع أبوابه بعد موافقة الحكومة الإسرائيلية على إقامة مئات الوحدات الاستيطانية، وفي الوقت الذي يعود فيه اليميني المتطرف ليبرمان إلى حمل حقيبة الخارجية من جديد.
علينا أن نلاحظ كيف تنقلب الوقائع والخطابات بين ادعاء الخطاب الاسرائيلي على مدى أكثر من عقد ونصف العقد أنه لا يوجد شريك فلسطيني للتفاوض معه، يبرز اليوم الشريك الاسرائيلي في شخص ليبرمان ومَن خلفه. في المقابل تبقى فكرة التسوية وجدوى المفاوضات تشغل العرب وتحمل على محمل الجد؛ فالمناخ الفكري العربي السائد يبتعد عن تناول دور علاقات القوة في تحديد مسارات العلاقة بين الأيديولوجيا والسياسة في الحالة الإسرائيلية، ما أضعف الرؤية التفسيرية لما يحدث اليوم.
تبدأ خارطـة فهم منهج التكييف الإسرائيلي هذه المرة من قدرة النخب السياسية على طرح معادل أيديولوجي مع الحقائق الجديدة، كما حدث سابقاً أكثر من مرة. فالأيديولوجيات عبر التاريخ لديها قابلية للتكيف حينما تتجاوز الوقائع على الأرض الرؤى الفكرية. فمنذ نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، تحول جوهر الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية من الأمن الخارجي إلى الأمن نحو الداخل، فلم يعد الإدراك الأمني الإسرائيلي يذهب نحو احتمال هجوم لجيوش عربية من الدول المجاورة، في الوقت الذي ازدادت فيه مصادر التهديد الداخلية، وليست المقاومة إلا واحدة من هذه المصادر، وأهمها الانفجار الديموغرافي، الذي عمل على إحداث تحول أيديولوجي آخر في رؤية الإسرائيليين لمستقبل كيانهم، وهي الرؤية التي أخذت توازن بين حقائق الديموغرافيا السكانية وبين المقولات الأيديولوجية حول الأرض ومكانتها في المشروع الصهيوني، وأيهما سيفضي إلى حقيقة واحدة ومطلب أساسي هو استمرار الكيان وبقاؤه.
إن قراءة تتابع الأحداث على الجبهة الإسرائيلية، ومنذ منتصف التسعينيات، تشير إلى تبلور رؤية واضحة حول ما يريده الإسرائيليون لكيانهم خلال العقود الثلاثة القادمة، بعد أن استقر الأمر للنخب السياسية من اليمين الوسط واليمين المتطرف ما سيخوّلها الاستمرار في الحكم ربما لأطول فترة في تاريخ إسرائيل. هذه الرؤية تتخذ استقرار الأمر الواقع في المحيط الإقليمي بدهية أولية، ولا ترى إمكانية حدوث مفاجأة سياسية أو استراتيجية في المدى المنظور. ولاحظنا صمود هذه الرؤية حتى في القراءة الاسرائيلية لتحولات الربيع العربي كيف كانت الأكثر طمأنينة من الجميع، بل ذهبت بعض الاتجاهات أن ذلك خدم سياسة الأمر الواقع، أي رؤية إسرائيل التي اكتشفت حجم الفرص المتاحة لها في المحيط الإقليمي، وتعترف بحجم التحديات الذي يفرضها الداخل الفلسطيني.
تبدو المصفوفة للسياسة الجديدة القديمة في إسرائيل وكأنها قد فقدت الاستقطاب الأيديولوجي التقليدي، وأن الدولة تتمحور بكل قواها السياسية والاجتماعية حول برنامج واحد ووسط تيار عريض عنوانه استثمار الضعف العربي الراهن إلى أبعد ما يمكن في تصفية مشروع التسوية السلمية، وفق خلاصة مفادها أن على الفلسطينيين والعرب أن يقبلوا إسرائيل كما هي.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
rasseen.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية