كانت أمي، ترتفع الرحمات إلى روحها، تقول: العمر غفلة، ويمضي العمر سريعا، ويتخطفنا الموت واحداً بعد الآخر، ويبقى العمر غفلة، "رفقة دودين"، ممن خطفها الموت مبكرا، ومن دون مقدمات سوى وجع السنين في قلبها!
ربطتني بها صداقة منذ سنوات طويلة لم يقطعها سوى الترحال، وبعد المسافة بيننا، ما أزال أذكر وليدها الأول "قلق مشروع" ، وهي تهديني إياه، كنا سويا على مقعد الدرس، هي في مرحلة الماجستير، وأنا في مرحلة البكالوريوس، جمعتنا وجهة الجنوب وحب الناس وحلم التغيير، فكل الأمكنة والقلوب تتجه نحو الجنوب، جنوب الشام، جنوب الأردن، جنوب لبنان، ووجع جنوب فلسطين المحتل، "وآه يا عنب الخليل".
الثلاث سنوات الأخيرة أمضيناها معا، لا صباح من دون رفقة، وبمشاكساتي المعهودة، وقوة صخب الجنوبي، مجرد أن أدخل المكتب أصيح بأعلى صوتي: وينك يا رفقة، وبلهجتها الجنوبية المليئة ثقة "هيني يا خيي"، وهكذا يسكن الصخب ويبتدئ نهارنا، ما بين شد وجذب واتفاق واختلاف، والخلاف لم يكن على حب الوطن وحب الناس، كان الخلاف في السياسة التي تفرّق ولا تجمع على أتفه الأمور، ولا يفرقنا هذا الخلاف ولكن مناكفة الصديقين حتى نقطع الوقت.
وينك يا رفقة، صباح غاب معك، ولن يعود ليجمعنا مكتبك أو مكتبي، الكل سيفتقد صباحك المشرق، واستيعابك لنزقي، وبلهجة الجنوب "لويه هيه يا خيي"، "لينا، نايفة، هبة، إيمان، علي، نوال"، سنشرب قهوة يا أصدقاء من دون ضحكات "رفقة"، وأسراركم الصغيرة التي تخبئونها في قلبها الكبير، رحلت معها، ولن تجدوا غيرها من يرشدكم إلى طريق النجاة، ستفتقدونها مثلما افتقدها الكثيرون من أحبتها، ويكون صباحنا غير ذاك الصباح الذي اعتدناه!
في طريقي للجنازة في منشية أبو حمور، كانت صديقتها بسمة النسور تجر قدميها بحزن شديد، وقفتُ معها معزيا بمصابنا الجلل ومضيت، استوقفتني بعد خطوات سيدة كانت تسير مع بسمة، وقالت: أنت جهاد؟ قلت نعم، قالت نحن بنات رفقة في الجمعية. وكانت رفقة تقول عنك إنك ضرتها، قلت رحمني الله، ولحقت بالنعش المحمول على الأكتاف وأنا أتمتم ولكن لا أعرف بماذا!
تذكرت الآن بماذا كنت أتمتم، من سيلعب "السيجة" معي عند زوايا "الحيطان" المعوجة من قلة الطين؟ مناكفتنا كانت تشبه مناكفات لاعبي السيجة في الطفيلة أو الكرك "كبشي وكبشك"، ويعلو الصراخ وتنهمر اللعنات من لسانَي اللاعبَين اللذين أمضيا العمر على هذه الحال، ويغضب كل من الآخر، ويلملم كل منهما خسارته وهو يتمتم.
وما إن يشرق الصباح حتى يبحث الواحد عن الآخر، عن شريكه. وهذا حالي مع رفقة، نحن لاعبا سيجة يتناكفان ولكن لا يستغني أحدهما عن الآخر!
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن