منذ أيام وأسابيع، دخلت البلاد في استعدادات وتحذيرات وحملة إعلامية، وإجراءات غير مسبوقة، عنوانها التهيؤ لمنع الغش في امتحان الثانوية العامة (التوجيهي). إذ نقلتنا وزارة التربية والتعليم من استراتيجية الأمن الناعم التي عُرفت بها وزارة الداخلية، إلى استراتيجية الحرب الناعمة التي تعمل على محورين: أولهما، كشف حجم أزمة التعليم العام، وما شهده من خراب. وثانيهما، إجراءات غير مسبوقة، نجد أول تطبيقاتها في مواجهة استعادة مكانة وهيبة امتحان "التوجيهي"؛ وهي إجراءات ما تزال على المحك، وسيحسم مدى جدواها خلال أسابيع مقبلة.
يتوجه يوم غد نحو 170 ألف طالب وطالبة إلى قاعات الامتحانات، مع إجراءات مشددة اتخذتها الوزارة، تشمل إغلاق أبواب المدارس والقاعات عند الحادية عشرة صباحا، وتفتيش الطلبة بدقة قبل دخول القاعات، واستخدام أجهزة للتفتيش على الأجهزة الخلوية والتشويش عليها. وكذلك عدم السماح بخروج الطلبة من القاعات إلا بعد انتهاء مدة الامتحان، وغيرها من إجراءات وقائية فنية وإدارية، وحالة طوارئ، للحد من التجاوزات والغش.
خلال الأعوام الأخيرة، تآكلت بشكل واضح مكانة امتحان "التوجيهي" الذي ضُرب في العمق، نتيجة عمليات الغش والتجاوزات. وفي العام الماضي، تجاوز عدد الطلبة الذين حرموا من الامتحان ثلاثة آلاف طالب على مخالفات تتعلق بمحاولات الغش. وهو ما يعد رقما مفزعا، فما بالك بالذين غشوا ولم يُكشفوا، والذين حاولوا وأُوقفوا، وأولئك الذين تمت المداراة عليهم؟! ما يكشف حجم الخراب القيمي والمهني الذي وصلنا إليه، والذي جعل من الغش والاحتيال الوسيلة الأكثر انتشارا، حتى في المؤسسة التربوية التي من المفترض أن رأسمالها الأساسي هو غرس القيم؛ والتي من المفترض أنها القلعة الأخيرة الصامدة في وجه حالة الانهيار القيمي التي تجتاح المجتمع.
حماية مكانة هذا الامتحان ترتبط بعملية تطوير "التوجيهي" والمرحلة الثانوية. ما يحتاج إلى خلية تفكير علمية ذات عمق مجتمعي وتنموي، تحتاج بدورها إلى مطبخ سياسات حقيقي، يأخذ بعين الاعتبار مراجعة نقدية للتجربة السابقة، كما مراجعة الآثار المتداخلة لنتائج هذه المرحلة التعليمية مع المراحل الأخرى، ومع حاجات القطاعات المتعددة للتطور والنمو. ويبدو أن هناك زخما حقيقيا بهذا الاتجاه، أهم ملامحه الحفاظ على "التوجيهي" الأردني كما هو، باعتباره جزءا من هوية النظام التعليمي الأردني، مع إجراء بعض التعديلات، من مثل جعل الامتحان لمرة واحدة في السنة، واختصار مدته بحيث لا تتجاوز عشرة أيام، والتخفيف من المواد الدراسية والتخلص من تداخلها وتكرارها، والأهم من ذلك إعادة النظر في مسارات التعليم الثانوي، والعودة إلى المسارات الثلاثة الأساسية: العلمي، والأدبي، والمهني.
الغش والاحتيال والنصب هي أبشع أنواع الفساد. والأقسى حينما تتفشى هذه الظواهر على شكل فساد صغير يصيب العامة، ويصبح جزءا من الحياة اليومية، بما يُعد أخطر من الفساد الكبير. فهذا الأخير يمكن كشفه ومحاكمته ولجمه، ولكن كيف يمكن أن تحاكم جيلا بأكمله إذا فسد، وصعد في سلم التعليم بالغش والاحتيال؟! فبناء الدولة والأمة والحضارة، تقرره قاعة الامتحان.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
rasseen.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية