كان من المتأمل أن تفجر رياح الثورات والتحولات العربية، ثورة أخرى في السياسة، تبدأ بإعادة تعريف مواقف الأطراف العربية من الجذور البعيدة للاستبداد؛ أي تحريك الراكد في إدارة الصراع الداخلي، وإعادة تعريف السياسة فيما يتعلق بالبحيرة الراكدة الأخرى بشأن الصراع الأساسي في الشرق الأوسط.
تدخل الثورات والتحولات العربية عامها الثالث. ويبدو أن رسالة الشعوب العربية لم تصل، وما تزال تُنقل مشوهة ومشوشة؛ وكأن لا شيء يتغير منذ أكثر من قرن! فما يزال هذا الإقليم يقود التغيير في النظم العالمية، من دون أن يصيبه التغيير؛ وما يزال هذا الإقليم محطة تصاغ حولها التفاهمات الكبرى، منذ "سايكس-بيكو" إلى الاتفاق الروسي-الأميركي الأخير حول سورية، إنما من دون أن تمس هذه التفاهمات قضايا الإقليم ذاته المصيرية.
اليوم، يبدو الشرق الأوسط مغلقا وخاليا من السياسة، بينما يعج بصفقات الأسلحة، والصفقات الأخرى التي يوجد فيها كل شيء إلا السياسة. فقد كان من المبرر أن يقبل الرأي العام العربي تراجع مكانة القضية الفلسطينية في أولويات السياسة الدولية خلال العام الأول للثورات؛ وكان من المبرر إلى حد ما أن تغيب مركزية الصراع في خطاب الثورات. لكن ما يستدعي طرح الأسئلة الكبيرة هو كيف تحول تاريخ الصراع من التحريك إلى الجمود، ومن الجمود إلى الموت.
تتبدل السياسة في الشرق الأوسط، لكنها لا تتغير. إلا أن المفاجأة هي أن تموت بصمت كما يحدث هذه الأيام. إذ يتبدل اللاعبون ومواقعهم، لكن الملعب وحساب الأهداف لا يتغير، كما يبدو هذا واضحا بعد أن تم تفريغ لحظة الديمقراطيين ووعود الرئيس الأميركي من مضمونها خلال الأشهر الستة الاولى من عهد أوباما. وهو الأمر الذي يتأكد اليوم بصورة مدهشة ونحن نقترب من النصف الثاني من الولاية الثانية.
هناك سيناريو تلجأ إليه القوى العظمى وتطبقه على الأقاليم التي تشكل عادة بؤر صراعات، ومصدر قوة ونفوذ للاعبين الكبار في النظام الدولي في لحظات التفاهم الدولي وتقاسم الأدوار. وهو أحد السيناريوهات المرشحة للمنطقة العربية؛ أي فرض العزلة الاستراتيجية جنوب وشرق المتوسط، وتقاسم النفوذ وتوزيع الأدوار، وإلغاء هامش المناورة الذاتية، وتحديداً فيما يتعلق بالتفاعلات الخارجية للإقليم، وإعادة صياغة التهدئة السياسية والعسكرية على الجبهات الشرقية والغربية بالقوة.
هناك وصف تقليدي طالما وُسمت به المجتمعات العربية من قبل الكتابات الغربية والصهيونية، وهو أنها مجتمعات رملية لا تبني تراكما حقيقيا، بل ذرات فسيفسائية إن اجتمعت فهي كثبان من الرمال المتحركة التي لا تبني ولا تستقر. هذا الوصف الشيق والمؤلم أكثر ما ينطبق اليوم على مسار التسوية والرؤية الإسرائيلية التي تحركه؛ كثبان من السياسات والمبادرات والتسريبات والتوقعات التي لا تقوى على التراكم ولا البناء ولا التقدم.
السياسة في الشرق الأوسط بالفعل كثبان من الرمال المتحركة، لا عنوان لها إلا الحرب المقبلة. والجديد يبدو في آلية المناورة مع الزمن وشراء الوقت، والتي طورها الإسرائيليون طوال السنوات الماضية. ما يتطلب أحيانا تحريك الرمال على بعض الجبهات، ليشكل بذلك نهاية مرحلة في تاريخ التسوية، في انتظار مرحلة أخرى سوف تختلف فيها حتما المقاسات ووحدات التحليل، وسقف المطالب إذا ما تبقى مطالب.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد