هل أصبح الحديث عن الإصلاح السياسي في الأردن ترفا، في ضوء ما نلمسه يوميا من تحولات جذرية في الأولويات، وسط ما يحدث في الإقليم من تطورات استراتيجية وسياسية وتحديدا ما يحيط بالأردن من نيران مشتعلة وعلى الجبهات الثلاث؛ أولها الجبهة السورية حيث يزداد سيطرة وانتشار الجماعات المتشددة في المناطق الجنوبية المحاذية للحدود الأردنية، فيما تزداد سيطرة ذات الجماعات على الحدود الشرقية مع العراق مع نذر حرب أهلية من نوع آخر هناك، أما الجمود السياسي على الجبهة الغربية مع اسرائيل فقد يغري الاسرائيليين على الإقدام على خطوات أحادية لا ندري إلى أين سوف تقود.
كل هذه التطورات تطرح أسئلة إدارة الاستقرار في الأردن جنبا إلى جنب أسئلة الإصلاح السياسي والإمساك بالاقتصاد الهش، وما مدى الحاجة إلى وصفة جديدة في حماية الداخل والحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الجبهة الداخلية.
على مدى سنوات لم تعد الدولة تتحمل أي تغيير في دورة دماء النخب التقليدية والأفكار التقليدية التي تحرك جسدها. ومع ازدياد الحديث عن الإصلاح والتغيير كانت شروط تعريف الولاء السياسي تزداد غموضا وضيقا وتعقيدا، وتحرم البلاد من الكفاءات من أبنائها عن طريق التجنيد السياسي المباشر وعن طريق صناديق الاقتراع لا فرق، فثمة علاقة عكسية مباشرة بين ازدياد الحديث عن الإصلاح وآلية تكوين النخب ومكونات مشروع الدولة المعاصرة، ما جعل مشروع الإصلاح الذي هو مستقبل الدولة وخيارها للتجدد والاستقرار والاستمرار بدون أنصار حقيقيين داخل مؤسساتها؛ أي أننا أمام مفارقة ستكون نتيجتها ازدياد الفجوة بين الأمرين، هذه الوقائع تضع مستقبل الاستمرار والإصلاح على المحك.
نكذب على أنفسنا اذا حاولنا تجاوز هذه الحقيقة، فالأزمة تتعقد يوما بعد يوم، ولا توجد ضمانة حقيقية لحماية أي منجز ديمقراطي ما دامت هذه الحالة مستمرة، هنا تحرم الدعاية التقليدية التي تنتج من قبل هذه الطبقة السياسية الرأي العام من القدرة عن تحديد المصالح الوطنية والصالح العام، وإدراك مصادر التهديد الحقيقية والتقدير الموضوعي لمواجع الدولة والمجتمع.
نكاد نفتقد القدرة على التجدد، تلك الطاقة السياسية الإيجابية، والقدرة التي كانت تتمتع بها الدولة الأردنية في استشعار الأخطار ومصادر التهديد في تعاملها مع البيئتين الداخلية والإقليمية؛ فلطالما مرت الدولة بأحوال صعبة استطاعت بروح مبادرة وبالمناورة الذكية تجاوزها، لكن في هذه المرحلة باتت حتى المبادرات وسيلة تستخدم للإمعان في تثبيت الأمر الواقع والمضي نحو المجهول.
في مواجهة سؤال اليوم التالي نلاحظ ضعف العناصر البنائية التقليدية المتمثلة في استرخاء المؤسسات، تراجع القدرة على توليد الأفكار الكبرى، تراجع مكانة الكفايات الوطنية وعزوفها عن الشأن العام إما بالهجرة والرحيل أو بالعزلة، نلاحظ إفلاس النخب المتقاعدة ورجال الدولة الذين يفترض أنهم رصيد الدولة، أولئك المشغولون بنهش الدولة بالمال والبنين. ونلاحظ إفلاسا من نوع آخر في صفوف المعارضة التقليدية والقوى الأيديولوجية.
إدارة الاستقرار والإصلاح والاستمرار تحتاج كل عقدٍ مراجعةً شاملة وجريئة بعيدا عن الترقيع واختلاق المبررات والأعذار. الناس في بلادنا ينتظرون هذه الأيام حدثا كبيرا، لكن لا أحد يعرف ما هو؟
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد