يقدر عدد سكان فنلندا بـ 4 ملايين نسمة بينما يبلغ عدد سكان العرب من المحيط الى الخليج نحو 330 مليون نسمة، واذا ما استثنينا النفط والغاز المتوفر في عدد محدود من الدول العربية فان الناتج الاجمالي لفنلندا يعادل الناتج العربي، وان الناتج الاجمالي العربي (شاملا النفط والغاز) فانه يقل عن الناتج الاجمالي لايطاليا التي تعاني من ازمة الديون السيادية، وبالعودة الى فنلندا فان معدل انتاجية الفرد الفنلندي تعادل انتاجية، 83 عربي، وهنا الطامة الكبرى، اي اننا اناس غير منتجين ونستهلك اكثر مما ننتج بكثير، وهذه الاختلالات الفقر والبطالة وارتفاع عجوز الموازنات الحكومية لغالبية الدول العربية باستثناء الدول النفطية.

وفي نفس الاتجاه فان اكبر دولة منتجة ومصدرة للورد هي هولندا، علما بان الاخيرة لم تكن تزرع الورد يوما الى حين اختراع البيوت الزجاجية الزراعية والتي احدثت نقلة نوعية في الزراعات الموسمية وغير الموسمية، واختصت في الهندسة الوراثية الزراعية وعظمت القيمة المضافة للزراعة وصدرت الورد الى اربع الاتجاهات بكفاءة وتنافسية عالية، اما فنلندا فان شركة واحدة هي نوكيا تشكل صادراتها 70% من صادرات فنلندا، اما شركة ( 3M ) التي ابتكرت الـ «ستيكرز» وغطت احتياجات ثلث العالم، والبعض يعتقد ان صناعة الورق اللاصق الـ «ستيكرز»، منتوج ضعيف ولاقيمة له الا انه وفر عشرات الالاف من الوظائف وعشرات المليارات من الدولارات من عوائد التصدير وحقوق ملكيتها.

اما امارة دبي الفقيرة من المياه والموارد من نفط وغاز تتربع بدون منازع على هرم الدول السياحية بتقديم ملاعب الجولف وهي في المرتبة الثالثة عالميا برغم شح المياه والزراعة، وشركة فيليبس الهولندية من كبريات شركات النفط علما بان هولندا فقيرة من النفط الخام، ومع ذلك لديها اكبر مصافي العالم لتكرير النفط، واليابان تصدر افضل عصائر البرتقال والفواكهة المتوسطية ولاتزرع هذه المنتجات.

هذه الامثلة لها دلالات كبيرة ومهمة جدا اولها ان الانسان محرك التنمية وهدفها، وان مقولة أدم سميث أشهر الكلاسيكيين الاقتصاديين على الإِطلاق « دعه يعمل دعه يمر» خدمت الدول المتقدمة، اي ان دور الحكومات يقتصر على تسهيل الامور امام المستثمرين ورعاية ابتكاراتهم، وتوظف قدراتها في الرقابة والتنظيم واشاعة العدالة والتوازن الاقتصادي الاجتماعي على مستوى الدولة، ورعاية مصالح مواطنيها امام الدول الاخرى بدون اجحاف.

وفي الاردن وبقية الدول العربية فان المستثمر لايحصل على ما يحصل عليه المستثمر في الدول المتقدمة والاقتصادات الصاعدة وحتى الناشئة، حيث تفرض عليه في منطقتنا الوصاية، وفي كثير من الاحيان الغيرة والحسد وكأنه محل اتهام، وان الروتين والبيروقراطية والتعقيدات تحول بينه وبين اهدافة في تسريع وتائر التنمية، وتفرض عليه الكثير من الاجراءات والغرامات التي تصل حد الجباية بعيدا عن مفاهيم الضريبة وفلسفتها الاقتصادية والاجتماعية... ان رفع وتيرة التنمية يكمن في رعاية المستثمرين ومبادراتهم، وتقديم التسهيلات لهم بقناعة وايمان وهذا ما نفتقده في الاقتصادات العربية.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خالد الزبيدي   جريدة الدستور