كادت أزمة المياه أن تصبح ظاهرة وطنية مقلقة خلال الأسابيع القليلة الماضية. فقد عانى المواطنون في عدد من المحافظات، من شمال الأردن إلى جنوبه، إضافة إلى بعض المناطق في عمان من انقطاع المياه لفترات طويلة في الوقت الذي وصلت فيه درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع وتيرة التذمر من هذه المشكلة وتطورها إلى اعتصامات محدودة في بعض المحافظات!
وقد ساقت وزارة المياه والري عددا من الأسباب التي أدت إلى هذه الأزمة، مثل انقطاع التيار الكهربائي عن محطات توزيع المياه في المناطق المأزومة، والإرباك الذي عانى منه برنامج توزيع المياه بين المحافظات، وبين المناطق المختلفة داخل بعض المحافظات، إلى جانب اعتماد عدد من المحافظات، مثل جرش وعجلون، على مياه الينابيع التي يتراجع إنتاجها في فصل الصيف!
وفي محاولة منها لمعالجة هذه الأزمة، فقد تبنّت المؤسسات ذات العلاقة منظومة من الإجراءات الفنية والإدارية، منها إطلاق خدمة خط الشكاوى المباشر، والعمل على مدار الساعة للعاملين على خدمة توزيع المياه، واستئجار الصهاريج من القطاع الخاص لإيصال المياه إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين المتضررين، خصوصا مع استمرار المشكلة في الأيام الأولى لشهر رمضان المبارك!
وعلى الرغم من أهمية هذه الإجراءات، فإنه يمكننا القول إنها لمعالجة أعراض الأزمة وليس أسبابها، وهذا أمر لا ضير به في الوقت القصير الذي يستلزم تسكين الألم! أما الخطوة التالية فيجب أن تتمثل في التغلب على مسببات الأزمة، وفي مقدمتها ارتفاع نسبة الفاقد من المياه التي تصل، وفق أحدث التقديرات، إلى حولي 40%! الأمر الذي يعني أن 40% من المياه التي يتم ضخها من محطات توزيع المياه لا تصل إلى المستهلك النهائي أو لا يتم دفع أثمانها. علما بأن النسبة المذكورة تشكّل حوالي 120 مليون متر مكعب سنويا، وهي كمية تفوق المياه التي سيوفرها مشروع الديسي، ويكفينا هذا المؤشر للدلالة على حجم المشكلة!
وبمزيد من التفصيل فإن هذا الفاقد ينقسم إلى قسمين، الأول إداري ويتمثل في عدم قدرة الجهات ذات العلاقة على استيفاء ما يستهلكه بعض الأفراد أو المجموعات، إما لكون بعضهم "متنفذين" أو لكون بعض المناطق المستهلكة للمياه تعتبر مناطق مغلقة على الموظفين المكلفين بقراءة العدادات وإعداد الفواتير! أمّا الثاني فهو سبب فني محض ويتمثل بتسرّب المياه في باطن الأرض، أو على الطرقات، بسبب تهالك شبكات المياه التي تجاوز عمر بعضها عشرات السنين!
ولا شك أن استمرار نسبة الفاقد عند هذا المستوى المرتفع سيحد من فعالية جميع الإجراءات الأخرى التي عملت أو ستعمل الجهات المسؤولة عن قطاع المياه على تنفيذها، ما يؤكد أهمية معالجة هذه المشكلة واعتبارها من المشاريع ذات الأولوية القصوى في الموازنات المقبلة، فعجز المياه أخطر وأكثر كلفة من العجز المالي!
ومن الأسباب الأخرى للأزمة ضعف وتشتت برامج الحصاد المائي وعدم وجود استراتيجية واضحة في هذا المجال، ناهيك عن البطء في إقامة السدود لتخزين مياه الأمطار، ولنا في سد وادي كفرنجة خير دليل على ذلك! هذا عن جانب العرض، أما جانب الطلب أو الاستهلاك فلنا معه وقفة مقبلة.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد د.تيسير الصمادي الموارد الطبيعية المياه