قبل البدء بتنفيذ برامج التصحيح الاقتصادي في عام 1989 كان الاقتصاد الأردني يصنف غالباً على أنه "اقتصاد مختلط"، أي أن لكل من القطاع الخاص والقطاع العام دورا واضحا فيه. وقبل ذلك العام كانت اقتصادات دول ما كان يعرف بالكتلة الشرقية تصنف على أنها اقتصادات اشتراكية، بمعنى أنها تخضع كليا لسيطرة الحكومة وليس للقطاع الخاص أي دور فيها!
فماذا حدث بعد ذلك؟
في الأردن تم خلال العقدين السابِقَين إلغاء و/أو إقرار العديد من التشريعات والسياسات والإجراءات بهدف خلق بيئة اقتصادية حرة تكون الكلمة الأولى فيها للقطاع الخاص، ورافق ذلك انسحاب الحكومة من عمليات استيراد وإنتاج وتسويق العديد من السلع والخدمات. ورغم بعض العقبات التي واجهت هذا التحوّل، فإنها لا تقارن بحجم العقبات والتحديات التي واجهت تحوّل اقتصادات الكتلة الشرقية من اقتصادات توجّه الدولة فيها كل شيء، وتملك كل شيء، وتنتج كل شيء، وتصدر وتستورد كل شيء، وتفتقر إلى ثقافة السوق الحر، بل وحتى المختلط! وبرغم ذلك كله فقد تم التحول وتقلص دور الحكومة إلى أبعد الحدود!
فكيف أصبحت الصورة الآن؟
في الكتلة الشرقية تطورت السياسات والإجراءات في مختلف المجالات والقطاعات، ورافق ذلك تطور مماثل في ممارسات المؤسسات والعاملين فيها!. أمّا في الأردن، فقد تطورت السياسات والإجراءات، وربما بشكل أسرع وأفضل، ولكن الممارسات والسلوكيات والقدرات المؤسسية بقيت على حالها، حتى لا نقول أنها قد أصبحت أكثر سوءا!
وعليه، فلم يكن مفاجئا للعديد من المراقبين والمحللين أن تتقدم إحدى عشرة دولة من دول الكتلة الشرقية، وهي الصين، واستونيا، وجمهورية التشيك، وبولندا، وسلوفينيا، ولتوانيا، ومونتينيغرو، وهنغاريا، وأذربيجان، وسلوفاكيا، وروسيا، أن تتقدم على الأردن مرتبةً ونتيجةً في تقرير التنافسية العالمي الأخير! ناهيك عن تعزيز ست من هذه الدول لمواقعها مقارنة بالتقرير السابق، في حين تراجع ترتيبنا 15 مرتبة في عام واحد!
وليس هذا فحسب، بل وصلت ثمان من هذه الدول إلى مرحلة تنموية أفضل من المرحلة التي حاز عليها الأردن، حسب منهجية التقرير، وهي كرواتيا، واستونيا، وهنغاريا، ولاتفيا، ولتوانيا، وبولندا، وجمهورية التشيك، وسلوفاكيا؛ حيث تم تصنيف الدولتين الأخيرتين بمرتبة الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة، واليابان، وألمانيا!
وكم كنا نتمنى لو أن أسبابا خارجة عن إرادتنا، كالأزمة المالية العالمية، كانت هي السبب في كل ذلك! ولكن التقرير يشير إلى تحسن بيئة الاقتصاد الكلي في المملكة، ما يؤكد أن المشكلة من صنع أيدينا وأن السياسات الكلية، وتحديدا المالية والنقدية، تسير في واد فيما السلوكيات المؤسسية والفردية تسير في واد آخر!
ولعل أبرز ما ينتهي إليه المرء من كل ذلك يتمثل بالتأكيد على أهمية الإسراع في تنفيذ برنامج إصلاح القطاع العام الذي يرمي للوصول إلى هيكل مؤسسي يتسم بالبساطة والشفافية والكفاءة، وإلغاء أي تداخل أو تكرار في مهام الوزارات والمؤسسات، وتوفير التدريب المناسب لموظفيها، الأمر الذي يفضي إلى تحسين أداء وكفاءة جميع الوزارات والدوائر وتبسيط الإجراءات التي تقوم بها، وتحسين نوعية الخدمات التي تقدمها! هذا إلى جانب إعادة مأسسة وتعزيز عملية مراقبة الأداء الحكومي لمكافأة المبدعين ومحاسبة المقصرين!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد د.تيسير الصمادي اقتصاد