شهد المجتمع الأردني في الأشهر الثمانية الماضية، وبحماية من القانون وتحقيقا للتعددية، ما يقارب ثلاثة آلاف وخمسمائة اعتصام سلمي. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن لكل منها عنوانا ما. ولعل السؤال الماثل هو: لماذا كل هذه الأعداد الهائلة من الاعتصامات؟ هل لأننا لم ننجز شيئا في مسيرة الوطن كما يميل البعض لتسويقه، أم لأننا لم نجسد بعمق واستمرارية متطلبات الإصلاحات كسيرورة ملازمة لكل مراحل التطور والنهوض اللذين شهدهما بلدنا منذ تأسيس الإمارة حتى الآن؟
يعتب جُل المعتصمين في أحاديثهم غالبا على "الأغلبية الصامتة" التي لم تشارك في كثير من الاعتصامات في مختلف المناطق في المملكة، انطلاقا من اعتقاد افتراضي لدى هؤلاء العاتبين بأنهم وحدهم الذين يمتلكون المعارف والوعي المتقدم "كطليعة قائدة"، وبالتالي ما على الأغلبية سوى الالتحاق، وبصورة أقرب إلى الميكانيكية بهذه الاعتصامات. وقد نسي القائلون بذلك أنهم لم يكونوا من قبل مع هذه الأغلبية أوجاعا وآمالا قبيل اندلاع حركة الشتاء العربي التي يسوق الإعلام أنها أفرزت بدورها قادة شبابا بدأوا بتجاوز القادة الشياب التقليديين الذين كرستهم الأحزاب، تماما كما كرست الحكومات الرسمية المتعاقبة رجالاتها وشيابها أيضا. وما موقف أعضاء مجلس النواب الأردني الرافض لتخفيض سن المرشحين لمجلس النواب المقبل ببعيد عن هذا التوجس، والواقع المتردد. 
وبناء على ما سبق، بدأ التساؤل المجتمعي لدى شرائح واسعة، ومن مختلف منابتها وتطلعاتها، من يضمن أن يكون المعتصمون الجدد، وبتعدد أطروحاتهم ومطالبهم، أوعى وأكثر دربة وقبولا عالميا لقيادة التغيير المفترض، رغم تبرم الأردنيين داخليا من ضعف أداء مجلس النواب ومؤسسات الرقابة التي قاد ضعفها إلى وجود الفساد الذي ارتبط مع ملاحظاتهم على قصور بعض القوانين كالانتخابات والوساطة وفجوة التنمية بين محافظات الوطن.. إلخ. 
صحيح أننا كمتابعين قد سمعنا عن دور لشباب واعدين من بين المعتصمين، عربيا وأردنيا، ولكن حوار الأجيال المفترض استمراره لم يكن حاضرا بالأصل، وعليه لم يتسن لهؤلاء الشباب النجاح في إغواء الأغلبية لتبني أطروحاتهم الأولية التي بقيت غائبة ربما عن حواس هذه الأغلبية بحق، فآثرت بدورها الاستمرار بأعمالها المعتادة، وهذا حق قانوني وحياتي لهم أيضا، وإن ازداد اهتمامها النسبي في متابعتها للأخبار في الإقليم العربي بصورة أكثر من المعتاد، وبدون كبير اهتمام بماهية الاعتصامات في المجتمع الأردني الذي يُقدم أهله تاريخيا، وبحكم الخبرات المؤلمة السابقة منذ سبعينيات القرن الماضي، الأمن المتحقق مقارنة بما يحدث في منطقة عربية ملتهبة بصراعات داخلية لم تحسم نتائجها كي تغري الآخرين بتقليدها، من جهة، ومن جهة أخرى بقيت أغلبية الأردنيين ضمنا وبحكم تركيبتهم السكانية المتنوعة بخبراتهم الموجعة مفتوحين على عدو صهيوني ما يزال متربصا بالأردن والعرب المسلمين عموما. 
أخيرا، سيبقى الحوار مفتوحا على تعددية التفسير والتمثل لحرية الجميع في المشاركة باستمرار في الاعتصامات، رغم تراجع أعداد المشاركين واقعا، وأولويات مفتوحة على الانتظار منذ الراهن وباتجاه المستقبل الآمن بوعينا وإيماننا جميعا أن الاردن مظلتنا الوحيدة بعون الله.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.غسان الطالب.   جريدة الغد