رغم أننا أبناء مجتمع عربي إسلامي يثمّن الصدق، ويفترض أن يُعزز متمثلوه على قلتِهم هذه الأيام كما تشير مرارة المعطيات اليومية في حياتنا كمتابعين؛ فإن واقعنا العربي يبدو الأكثر فقرا بين الأمم الأخرى في الإفادة من هذا المورد الأخلاقي "الصدق" الآخذ في النضوب للأسف.
من يتابع طبيعة الصراع الذي اندلع بدموية لافتة بين المواطنين العرب وحكامهم منذ عام تقريبا في تونس ومصر وليبيا وسورية واليمن، يلمس بوضوح أن هناك بحثا جماعيا عن مورد الصدق الضائع الذي يشكل ظهوره مجددا مِظلة الخلاص من الأزمات العربية. فغياب السؤال الحضاري الناقد لأنفسنا ولمعنى وجودنا عربا ومسلمين على هذه البسيطة بقيادتها الغربية المعولمة، من شأنه أن يبصرنا على مستوى تواطؤ كل منا مع واقعنا الدموي المرير للجميع.
فالحكام الذين غادروا بعد عقود من حكمهم لنا، نحن أنفسنا أو جُلنا من كان ينافق لهم بأشكال شتى. تُرى من منا كان على صدق؛ هم الذين أشبعونا مرارة وصمتا بحجة أنهم الذين قدموا كثوار على هزائمنا ومعهم الإكسير الدكتاتوري القومجي أو الأممي الوضعي لتحرير فلسطين والجزر العربية المحتلة ولواء الاسكندرون ومزارع شبعا، أو حتى الثروات العربية المتبخرة من الماء إلى الماء للآن؛ أم نحن كمحكومين الذين أشبعناهم من قبل ثناء وإشادات زائفة ولعدة عقود؟
أوليس من الضرورة اعترافنا جميعا، وبصدق مشتهى للآن، بخطأ التواطؤ المتبادل بيننا حكاما ومحكومين، خصوصا في ظل الدولة القبيلة العربية المستمرة كذلك للآن؟ هذه الأخطاء المتوالدة التي هدرت كل هذه الأرواح لأبنائنا في حروب قبلية مزيفة غالبا، خصوصا أن عيوننا  تعبت وهي شاخصة على عداد القتلى الآخذ في الزيادة منذ عقود. وبالتالي، أليس من الضرورة العمل المؤسسي والقانوني الصادق لإعادة توزيع السلطة/ الثروة والسعي الجاد لمغادرة خندق التخوين المتبادل بين الحاكم الملهم والمحكوم المنتفض لنفسه وعليها، على أرضية أننا شركاء في صمتنا المتناوب على كل من التوريث، والاعتداء على القوانين والمال العام، والوساطة وغياب المحاسبة والرقابة القانونية، حتى وصل الاحتقان وسوء إدارتنا وممارساتنا جميعا جراء غياب الرؤية الفكرية الناضجة، إسلامية سياسية كانت أم حزبية وضعية أو حتى إقليمية للآن ترابطا مع الغياب المستمر لسؤال المستقبل، سواء للثروات البشرية أو الطبيعية والأوطان ودور الحوارات والديمقراطية أو الشورى في راهننا ومستقبلنا وليس مستقبل الحكام فقط الذين يمتطون عادة كل ما ذكر للآن. فالانفجار الجماهيري الذي نعيشه والمصنف تحت مظلة الربيع العربي ما يزال بدوره مفتوحا على الاحتمالات في أقطار عربية أخرى للآن.
أخيرا؛ فهل ثقافتنا العربية الإسلامية، وتحديدا بعد وفاة رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام، تؤمن فعلا بثقافة الحوار أم بثقافة المغالبة والاستئثار بالحقيقة لدى الحاكمين وبدون المحكومين منذ ذلك التاريخ؟
وهل نحن صادقون، حكاما ومحكومين، في مناداتنا اللفظية والصورية للآن في تشخيص أمراضنا وأوجاعنا الراهنة والمستقبلية فعلا؛ أم أن واقعنا الصراعي على السلطة والثروة ومشاريع الشهداء سيبقى مفتوحا على التجريب للتوصل للحكم، ونحن ما نزال موزعين بين ما هو وضعي أو ديني من الأفكار والجماعات النازعة للحكم مجددا كي نعاود تجريب المجرب.. وهكذا دواليك؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.غسان الطالب.   جريدة الغد