أن توقد شمعة خير من أن تلعن الظلام، هذه المقولة للفيلسوف الصيني كونفشيوس قالها قبل سبعة الاف سنة، وهي حث مباشر على العمل وليس التبرم وتوجيه اللوم الى الآخرين والظروف والبلد والحكومة والحظ...هذه المقولة قفزت الى الذهن خلال لقاء مع المهندس محمد الخريشا المدير العام لمركز تعزيز الانتاجية / إرادة، وكان الحديث حول ارتفاع البطالة والفقر في البلاد في وقت نستضيف فيه نحو 1.5 مليون وافد جلهم من الاشقاء العرب، بخاصة من مصر والعراق وسوريا، ولكل من الوافدين سبب وهدف وظرف، الا ان السؤال الاهم لماذا يعزف الشباب في المدن والقرى والارياف عن العمل ويطلبون فرص عمل محددة غير متاحة بالاعداد الكافية في القطاعين الحكومي والخاص.
وفي قراءة لأوضاعنا الاجتماعية الاقتصادية يمكن القول ان الاردن مر بثلاث مراحل الاولى بعد الصدمة النفطية الاولى بعد حرب رمضان في العام 1973 الى العام 1982 عندما قفزت اسعار النفط الى مستويات عالية وتدفق الاموال الينا، ولم نوظف هذه الفوائض في مشاريع انتاجية تنوع القاعدة الانتاجية، بدل توظيفها في الاسمنت والحجر وسلع استهلاكية، وعاش الاردنيون فوق قدراتهم عدة مرات، وتبارت عمان مع عواصم المنطقة بالاناقة والرتابة، ولم ينكب المستثمرون لبناء قاعدة صناعية رصينة، ومع وفرة الاموال والانفاق الاستهلاكي ارتفعت الاسعار، وعقدت يوما بعد آخر ظروف بناء قاعدة انتاجية يعتد بها ويعتمد عليها خلافا لعدد كبير من دول العالم.
اما المرحلة الثانية بدأت في العام 1982 الى 1989 شهدت توسعا في الانفاق والاستدانة المخفية وبلغنا في نهاية تلك المرحلة خسارة الدينار نصف قيمته الحقيقية ودخلنا في مواجهة انكشاف شبه كامل في شتى مناحي الحياة، وتناسينا اننا لم نحسن التعامل مع ظروفنا والتأقلم مع حالة الانخفاض الكبير للتدفقات النقدية السهلة التي شهدها الاقتصاد الاردني بعد الصدمة النفطية الاولى، ووجهنا الاتهامات لشخص او رئيس وزراء او مجموعة من المسؤولين وتناسينا اننا جميعا ساهمنا في هذه الازمة الطاحنة التي امتدت الى حياتنا حتى اليوم.
المرحلة الثالثة بدأت مع سياسات التصحيح الاقتصاد والمالي، التي بدأت 1989/1992 حتى يومنا هذ مع بعض التعديلات وكان القاسم المشترك لها رفع الاسعار في كافة مفاصل الحياة، وتم التركيز على الجوانب المالية والعجوز ولم نلتفت الى الجوانب الاقتصادية والجهود التنموية، وتشارك في هذا ( الجرم) الجميع من مسؤولي حكومات وقطاع عام وخاص ومواطنين، وحتى اليوم ما زلنا نعزف عن العمل، كما تعزف الحكومات والشركات عن العمل الحقيقي وتسلك الحلول السهلة وهي غير منتجة.
ان دولة وشعبها يعاني كل هذا العناء يجب ان يشمر عن سواعده ويهجر المقاهي ويلبي نداء العيش الكريم في كافة القطاعات ... وحتى نحدث فروقات جوهرية علينا ان نوقد شمعة خير من أن نلعن الظلام ...ومسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خالد الزبيدي جريدة الدستور