بعد رحلة استمرت قرابة ثلاثة أسابيع في اليابان، للمشاركة في برنامج التبادل الشبابي الدولي، عدت وكلي حماسة لبداية مشوار التغيير نحو الأفضل، سعيا للحاق باليابانيين الذين نجحوا في تجاوز كل المحن، وبنوا دولة عصرية لا تضاهيها دولة أخرى في الإخلاص بالعمل والالتزام بالأنظمة والقوانين، والحفاظ على الأخلاقيات في الأماكن العامة، وهي أسباب مباشرة للتقدم والتطور الكبير الذي بات يفصل اليابان عنا بسنوات ضوئية لا تحصى.
عشية العودة للديار، فجعت بما أصاب حارس مرمى فريق النادي الفيصلي المرحوم زبن الخوالدة، ومسلسل الأحداث الذي قاد إلى هذه النهاية المأساوية، وهي مسؤولية نتحملها جميعا في المجتمع، نتيجة الممارسات اليومية التي نشاهدها بأم العين على شوارعنا، من استخفاف بالنظام العام، والقوانين والأنظمة المرعية، وممارسة أعمال سلبية من قبل سائقين متهورين، مما يفاقم الأمور ويوصلها إلى حالات من الاشتباك واستخدام “القناوي” المخبأة تحت الكراسي بشكل يومي، وكل ذلك على الشارع العام وعلى مرأى ومسمع من الجميع.
في اليابان، لا تسمع صوتا للزامور، لا يقطع أي شخص الشارع إلا من ممر المشاة تنفيذا لأمر الإشارة الضوئية، لا تسمع رنين الهاتف الخلوي، فالكل يسكت هاتفه حتى لا يزعج المارة أو رواد المترو، الكل يلتزم بمسربه المحدد والأمور تسير بسلاسة فائقة، وبالتالي فلا تشاهد أزمات للسير، رغم أن عدد سكان اليابان يفوق 120 مليون نسمة، وسكان طوكيو وحدها يناهز 25 مليونا، ورغم ذلك لا تشعر بوجودهم بسبب ذلك الإصرار على النظام.
فازت اليابان بكأس العالم لكرة القدم للسيدات، فلم تغلق الشوارع أو تسيّر المواكب، ولم تبتدع الأزمات، الكل عبر عن فرحته بطريقته، لكن بعيدا عن التأثير على الآخرين، وهو ما عاد بي إلى عمان، لتذكر مواكب الأعراس والخريجين التي تغلق الشوارع وتقلق راحة شركاء الطريق، من دون أن يرف جفن لأي من المحتفلين وكأنهم امتلكوا الشارع بشهادة زواج أو “كرتونة” مدرسية أو جامعية.
يا زبن، أوجعت قلبي برحيلك، فقد كنت عاقد العزم على البدء بمشروع يعيد إلى شوارعنا قيمنا الأصيلة في الأخلاق والتعامل مع الآخرين، لكنني صدمت بما حدث معك وزملائك، لم أتمن أن أبدأ أول أيام عملي بعد رحلة اشتقت فيها إلى وطني وأهلي، بفاجعة وفاتك بهذا الشكل الدرامي، الذي وقع عليّ كالصاعقة، ولعلها تكون بداية حقيقية لمشوار التغيير الذي نشدته هناك في اليابان، وهي رسالة موجهة إلى شبابنا بشكل خاص بأن يتقوا الله في وطنهم وأهاليهم، وأن يكونوا بارقة الأمل التي نحقن بها الدماء، ونحافظ من خلالها على الممتلكات، بالتمسك بالأنظمة والقوانين، بعيدا عن الطيش والتهور الذي لا يتناسب أبدا مع شبابنا الجامعي الواعي المثقف.
أدعو الله تعالى أن يتقبل زبن الخوالدة في عباده الصالحين، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان، وأن يكون زبن، الشمعة التي تضيء لنا طريق السلامة، وأتمنى أن ننجح في إطلاق حملة زبن الخوالدة لاستعادة أخلاقنا الأصيلة التي سلبها منا المتهورون على الطرق.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.محمد مطاوع جريدة الغد العلوم الاجتماعية