منذ الاستقلال إلى اليوم، واقتصاد الدول العربية مسجى في غرفة الإنعاش أو العناية الحثيثة؛ فلم يكن اقتصاداً منتجاً يعرق فيه المدير والعامل، أي لم يأت من العمل الوطني وبأيدي العمالة الوطنية، وإنما جاء نتيجة الصدفة، كما في الثروات الطبيعية الناضبة (وبخاصة النفط) التي مولت عائداتها نشاطات الدولة الريعية وفاضت على الأشقاء والجيران وأقالت عثراتهم، وجعلت المواطنين مدللين مقابل الحرمان من الحرية والديمقراطية والمشاركة.
ولما وقعت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وأصابت الدول الغنية وأقعدتها عن مواصلة المساعدات وتقديم المنح أو القروض، أو لنضوب المصادر أو لتراجع عائدات خدماتها السياسية للدول العظمى، وفي الوقت الذي اشتدت الحاجة فيه لإرضاء أو لاسترضاء الشعب غير المنتج، انكشف ظهر الدولة العربية الريعية أو الأبوية، وصارت غير قادرة على مواصلة الإنفاق والأعطيات. وقد أدى ذلك إلى محاولة الدولة الأبوية أو الريعية خفض نفقاتها أو ضبطها من جهة، أو تغطيتها من جيوب الأبناء والبنات المدللين من جهة أخرى. ولما لم يكن الاقتصاد ذاتياً أو منتجا، كما في اليابان أو الصين أو ألمانيا.. وفرص التوظيف محدودة أو معدومة، وأسعار السلع والخدمات في ارتفاع، فقد وقعت الصدمة؛ أي وقع الصدام بين الأب والأولاد والبنات بعد ما كثرت العيال وكبرت. ولأن المقام لا يسمح بالتفصيل، فإنني أختصر فأقول: لقد صارت الدولة الريعية أو الأبوية مجبرة على اللجوء إلى جيوب الأولاد والبنات، لتغطية العجز، وإلا فانهيار الدولة أي إفلاس الأب. لقد صار الأب بحاجة إلى إنفاق الأولاد والبنات عليه.
في أثناء الصراع من أجل إرساء الحرية والديمقراطية أو المشاركة في الحكم بين الحاكم والمحكوم، كان المواطنون في الدولة الحديثة يقولون، كما قال الأميركيون من قبل: لا ضرائب من دون تمثيل. أما اليوم، فقد صار الأمر (اللازم) بالعكس: "لا تمثيل من دون ضرائب". لكن الأولاد والبنات في الدولة الأبوية غير منتجين، ولا يريدون أن يدفعوا ضرائب لم يتعودوا على دفعها. ومع هذا، فإنهم يصرون على وجوب دفع الدولة المفلسة أو الأب المفلس لهم، وكأن بقدرة الدولة هذه أو الأب هذا تلبية حاجاتهم وتطلعاتهم الاستهلاكية المرتفعة على الفور. لقد رُبّي الأولاد والبنات على رعاية الدولة (أو الأب) لهم من دون أن يرعوهما، ولهذا وقع التمرد أو الربيع العربي، وانكسرت شوكة الأب الأمنية وصار الأولاد والبنات وكأنهم غير قابلين للإدارة والتوجيه.
هل المنتجون الذين يصدّرون السلع والخدمات هم جمعية خيرية ليقدموا سلعهم وخدماتهم مجاناً للأولاد والبنات في البلدان الأبوية، أو ليبيعوها لهم بأرخص الأسعار؟ هل تستطيع الاعتصامات والإضرابات إجبارهم على ذلك؟ ماذا يقدمون للعالم حتى يهب لنجدتهم؟
إن الدولة التي تشتري طن الطحين من الخارج بأربعمائة دينار، وتبيعه للأفران بستة وثلاثين ديناراً لتجعل الخبز شبه مجاني، هل تستطيع الاستمرار في ذلك؟ وهل يحق للمواطن الذي يطالب بخفض الضرائب والرسوم وحتى إلغائها، والمطالبة بعلاوة جديدة أو بزيادة على الراتب وبالخدمات المجانية؛ هل يحق له ذلك أو يجوز وهو لا يؤدي ضريبة الدخل المستحقة عليه بأمانة أو يتهرب من تأديتها، أو لا يملأ ساعات العمل اليومي مقابل كامل أجر ذلك اليوم، أو يأخذ إجازة مرضية فيه وهو ليس بمريض؟!
لما كان اقتصاد الدولة ريعياً، فإنه يحتاج إلى وقت طويل ليصبح منتجاً. ولكنه لا ينتج إلا إذا شمر الأبناء والبنات عن سواعدهم وأنتجوا؛ كما فعل الألمان الذين جعلت الحرب العالمية الثانية وطنهم ركاماً، ولكنهم جعلوه الأول في الإنتاج والعطاء في أوروبا في بضع سنين. وكذلك فعل اليابانيون.
هل عرفت السر؟ إنه في الحقيقة سرّان: سرّ في الدولة الريعية أو الأبوية التي دللت الأولاد والبنات ثم أفلست، وكان مثلهم مثل الذي تعوّد على كثرة الأكل ثم جاع. وسرّ في القيم السلبية التي رُبي الأولاد والبنات عليها، وعلمتهم أن سياسة الاسترضاء تتقدم على سياسة الإنتاج لا العكس.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حسني عايش