اعادت جولة كوندوليزا رايس الى المنطقة، لا سيما زيارتها إلى مصر، طرح مسألة الاحزاب الاسلامية وشرعيتها ومشاركتها في سلطات يفترض انها ديمقراطية. ولم تكد وزيرة الخارجية الاميركية تقفل عائدة الى بلدها، حتى جاءت الانتخابات الايرانية وفوز الاسلامي المتصلب محمود احمدي نجاد، تجدد طرح المسألة اياها، ولو من موقع مختلف.
ولا بأس، بادئ ذي بدء، باستعادة ملاحظة بسيطة وعميقة في آن، للكاتب التونسي صالح بشير. فقد تساءل عن سر التوقف عند الاسلاميين ومساءلتهم وحدهم حين يثار موضوع الديمقراطية في بلداننا، علماً اننا جميعاً، حكاماً ومحكومين، اسلاميين وعلمانيين، غير ديمقراطيين؟! والملاحظة هذه تضعنا امام تصوير ادق واعمق للمشكلة، يعود بنا الى تراكيبنا المجتمعية والثقافية، ومدى مواءمتها للديمقراطية. وهو ما يجعل السؤال جائزاً ومطروحاً ايضاً على سائر "النخب" العربية، التقليدي منها والحداثوي، المدني وطبعاً العسكري. وينبغي ان لا ننسى ان هذه الاخيرة لا تزال تمسك، مباشرة او مداورة، بأكثر من سلطة في العالم العربي.
اما في ما خص الاسلاميين تحديداً، فتثير علاقتهم بالديمقراطية ما تثيره اية علاقة بين جسمين يراد لهما ان يتلاقحا. والمقصود هنا، ان كلاً من الجسمين سيجد نفسه عرضة لبعض التكيف الذي يجعله قابلاً للتزاوج مع الجسم الاخر،  دون تخلي اي منهما عن الاساسي فيه. والحال ان التجربة التركية التي يرعاها "حزب العدالة والتنمية" تبقى، رغم صغر سنها، حرية بالمتابعة من الزاوية هذه. فقد اعيد بناء الحزب، بتحويله مختبراً للتلاقح الذي نجمت عنه، حتى الان، نتائج باهرة.
فالديمقراطية التركية لم تعد، بنتيجة تلك التجربة، مطلباً نخبوياً وأقلياً يقتصر على عدد محدود هامشي التأثير من المثقفين وكوادر الطبقة الوسطى. لقد باتت تحملها، في المقابل، كتل شعبية عريضة، تسمي نفسها اسلامية الثقافة والتقاليد.
كذلك، تخلت الاسلامية التركية عن تعلقها بالعصر الذهبي "السلاطيني"، وبأمجاد السلطنة الميتة، وغدت تنظر الى العالم المعاصر انطلاقاً من بحثها عن مصالح ملموسة، اقتصادية وسياسية. وغني عن القول ان من يسعى وراء مصالحه لا يمكنه غض النظر عن توازنات القوى الاقتصادية والثقافية في عالمنا المعاصر، حيث ترجح كفة الغرب رجحاناً مطلقاً. ثم ان "حزب العدالة والتنمية" تجاوز احقاد التاريخ التركي، او هو في سبيله الى تجاوزها؛ أتعلق ذلك بالاتاتوركية ام بالاقليات الدينية (الارمن واليهود واليونان) والاثنية (الاكراد). وهذا من دون ان يحرم الحزب من تأويله الخاص للتاريخ التركي، وبما يتيح له ان يستوعب التاريخ المذكور، ويطل عليه طلة القائد والحاضن والمصوب. والى ذلك، تبقى نقطة قليلاً ما تحظى بالاهتمام؛ فالحداثيون المدنيون الاتراك، بمن فيهم البيئة الثقافية العريضة، فضلوا الاسلاميين الديمقراطيين الذاهبين الى اوروبا على العسكر غير الديمقراطي. وبهذا مثل هؤلاء احد جسور التواصل بين الاسلامية والديمقراطية (في المقابل، فضل بعض زملائهم في البلدان العربية العسكر على الاصوليين).
تدل التجربة التركية، إذن، على ان المهمة معقدة ومتعددة البنود. فهي لا تقتصر على الاقرار بتداول السلطة، والتخلي عن العنف، بل تطال ايضاً الاقرار بالحقوق المتساوية للاقليات الدينية والاثنية. وهو ما يعني المصالحة مع مفهوم المواطنة الحديث، الذي لا يقتصر عدم التصالح معه على الاسلاميين وحدهم، كما يدل عديد الحالات العسكرية العربية. ذاك ان صدام حسين، مثلاً لا حصراً، لم يكن اسلامياً حين اتبع سياساته التمييزية الجائرة ضد الاكراد والشيعة العراقيين!
وربما كانت المسألة الاهم التي على الاسلاميين مناقشتها والبت في امرها، مسألة التمييز بين الحيزين الخاص والعام، وبين النطاقين الزمني والمطلق. ذاك ان وصول حزب من الاحزاب الى السلطة السياسية لا يخوله التدخل في مأكل الناس ومشربهم وملبسهم، والطرق التي يديرون فيها حياتهم البيتية او يعلمون بها ابناءهم. ومن ناحية اخرى، وحرصاً على الدين نفسه، لا يجوز زجه، وهو المطلق، في النسبيات السياسية والزمنية، بما تستدعيه من مناورات ولعب والتفاف وكذب احياناً.
وقصارى القول، ان تكييف الدين، مطلق دين، مع الديمقراطية والحداثة يستدعي درجة من الاصلاح الديني، تتيح قراءة النص المقدس بعين رحبة، اخذة في اعتبارها ما جد واستجد، كما تفسح المجال لفرز المستويات ما بين خاص وعام، ونسبي ومطلق. وهذه، مرة اخرى، ليست مهمة يقدم عليها الاسلاميون في معزل عن تحولات مجتمعية عريضة، وظيفتها المواكبة والتشجيع في آن.
وربما، في السياق هذا، يمكن استشهاد التجربة المسيحية الديمقراطية في المانيا وايطاليا، التي انتقل المؤمنون بموجبها من "ضرورة" اقامة انظمة كاثوليكية، الى التوكيد على احترام القيم الكاثوليكية في المجتمع وتعزيزها. بيد ان ما اقدم عليه ناشطو المسيحية الديمقراطية لم ينفصل عن قناعة عصفت بالمجتمعات الاوروبية اثر الحرب العالمية الثانية. فقد تنبهت تلك المجتمعات الى خطورة استخدام المسيحية لارتكاب مجزرة بحجم المحرقة اليهودية. كذلك، هالها ان النازية التي رفعت "المسيحية الجرمانية" عالياً، ملأت هذه المسيحية بمضمون وثني، اساء الى الدين نفسه فيما كان يدمر المجتمع.
فهل تعيش مجتمعاتنا العربية، بعد مسلسل الفقر والاذلال والاستبداد والهزائم، شيئاً من هذا القبيل، يدفعها الى الشك والمراجعة والخروج بمعادلات ذهنية وسياسية جديدة؟
اغلب الظن ان لا؛ فكل ما يبدو يشير الى استمرار الفصام بين سلطات تحكم بقليل من الشرعية، وبين شرعيات اهلية او دينية لا يمسها الاصلاح، تمسك بتلابيب المجتمعات. وفي الغضون هذه، يمضي كل من الطرفين في اتهام الاخر بأنه "غير ديمقراطي"... آملاً بأن تسمعه الادارة الاميركية فتنحاز الى وجهة نظره!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حازم صاغية