حين وصف الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس عمليّة منظّمة "الجهاد الإسلامي" الأخيرة في تل أبيب بـ"الحقيرة"، علت الأصوات استهجاناً واستنكاراً. وقد أدّى ذلك الى تراجع شبه اعتذاريّ أبداه كثيرون من قادة السلطة الفلسطينيّة ومن حركة "فتح".
وبين "لم يقصد الرئيس كذا" و"الرئيس قصد كذا"، ساد ويسود نزع من الضياع في ما خصّ مقصد الرئيس الذي طولب بـ"الاعتذار" من "الأمّة والشعب وعائلة الشهيد". وبمعنى ما كان طبيعيّاً أن يظهر الاستهجان الذي ظهر بسبب ما تُنزله إسرائيل بالفلسطينيين من أذى معدوم التمييز واسع النطاق. وغني عن القول إن شعوراً كهذا يخلق لدى ضحاياه رغبة في الثأر والانتقام هي، بدورها، معدومة القدرة على التمييز، لا تتحمّل الإدانة أو حتى النقد.
لكن هل العمليّات التفجيرية، بما في ذلك التي حصلت مؤخراً في تل أبيب، ردود ناجعة على سياسات العدوان الاسرائيليّة؟ لنقل، بادئ ذي بدء، إن ما من فارق إطلاقاً، أقلّه أخلاقيّاً، بين استنكار قتل المدنيين الفلسطينيين على أيدي القوّات الاسرائيليّة واستنكار قتل المدنيين الاسرائيليين بعمليات تفجيرية من النوع الدارج. فالضحايا في الحالين أبرياء لا يجوز تحميلهم، وبأقصى أشكال التحميل، مسؤولية القرارات السياسيّة لقادتهم والأعمال الحربيّة لجنرالاتهم أو منظماتهم.
   
والواقع أن التصرّف على نحو معاكس يجيز وصف صاحبه بالعنصريّة: ففي الحروب يصحّ الفرز بين جيش وجيش، فيكون أحدهما "جيشنا الوطني" الذي "يحمينا" بقدر ما يُطلَب منا أن "نقف وراءه" فيما يكون الآخر "جيش العدو" أو "الجيش العدو". فحين نعامل المدنيين على النحو هذا فنسوّغ قتلهم بلا تردّد، بينما نسمّي كل من يُقتل من مدنيينا شهيداً، نكون نبوّب البشر أنفسهم تبعاً لانتماءات دينيّة أو عرقيّة أو وطنيّة.
ومعروفٌ كم تسبّب قصف الطائرات البريطانيّة لمدينة درسدن الألمانيّة، مع نهاية الحرب العالميّة الثانية، بتهم مُحقّة وُجّهت الى البريطانيين وشكّكت بوجود بواعث عنصريّةٍ تقف وراء القصف وتلهمه. وهذا علماً بأن العدو المقصود لم يكن أقل من ألمانيا النازيّة خطراً وعتوّاً، فيما الحرب ضدها اكتسبت، من غير استدراك وتحفّظ، مواصفات الوجود والعدم.
أما أن نؤمن بالعكس، أي بجواز قصف المدنيين وقتل أكبر عدد ممكن منهم تبعاً لجنسيّتهم فهذا، من حيث المبدأ، يجعل استخدام القنابل الذريّة جائزاً، ولم لا؟ بل يغدو من المستغرب، والحال هذه، توجيه النقد والإدانة لرمي القوّات الجويّة الأميركيّة قنبلتين ذريّتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين.
إن التذرّع بـ"السياسة" و"المصالح" وضرورة الابتعاد عن "العاطفيّة" لا يبرّر، كائناً ما كان الأمر، قتل مدنيين، فكيف أنهم فقراء بسطاء يسرقون لحظة راحة من أعمالهم كي يملأوا البطن "بسندويش فلافل"؟ وكيف، أبعد من هذا، حين يكون قتل المدنيين هؤلاء ضارّاً بالسياسة والمصالح الفلسطينيّة التي يُقصد تعزيزها وخدمتها؟
فقد "أنجزت" العمليّة الأخيرة هدفين رهيبين على الأقل:
فأولاً، من موقعها في رئاسة الحكومة، دللت حركة "حماس"، بتأييدها ما حصل، على كفاءتها العالية في الجمع بين التطرّف وغياب الحنكة السياسية. فهي، فيما تعاني الحصار الخانق، أعطت المحاصِرين مزيداً من الذرائع كي يشدّدوا قبضتهم لا على خناقها وحدها فحسب، بل أيضاً على خناق الشعب الفلسطيني كله ومن غير تمييز.
وثانياً، أكّدت "الجهاد الإسلامي"، من موقعها كمنفّذ لعمليّة تل أبيب، على أن باب المزايدة سهل الدخول ومفتوح دائماً على مصراعيه في العمل الوطني الفلسطيني. فما أن تتعلّم "فتح" قوانين اللعبة، حتى تتجاوزها "حماس" تطرّفاً وتكسب في هذا التجاوز. وما أن توحي "حماس" للبعض بأنها قد تعتدل، حتى تباشر "الجهاد" تجاوزها وسط تأييد جماهيري. وما يعنيه هذا أن من العبث والمحال رسوّ النخبة السياسيّة الفلسطينيّة على اعتدال يمكن إنهاض تسوية عليه. وهي حجّة لا تريد إسرائيل غيرها، بطبيعة الحال، من أجل أن تؤكّد "انعدام الشريك" في الطرف الآخر.
والحق أن أعمالاً كهذه لا تضيف أية قيمة أخلاقيّة الى العمل الوطني الفلسطيني، بل تسلب بعضاً من القيمة التي ينطوي عليها، مبرّرةً لاسرائيل بعضاً من نشاطها الوحشيّ في القمع والانتهاك. وأهم من هذا على مدى بعيد يتعدّى السياسة، أن شيوع "ثقافة" الانتحار وإعلاء الموت على الحياة لا بد أن يفتك بالمجتمع الفلسطيني، والمجتمعات العربيّة تالياً، أكثر كثيراً مما يؤثّر في الاسرائيليين أنفسهم. فالفلسطينيّون يناضلون لأنهم يريدون الحياة حرةً وكريمةً في هذه الدنيا، كما يريدون أرض الوطن أوسع وأخصب وأغنى. أما إذا شاؤوا إفناء الناس والآخرين،  فمن المستحيل أن ينجم عن أفعال كهذه ما يثير التعاطف معها، وطبعاً من المستحيل أن تفضي لعبة الفناء والإفناء الى السياسة والتسوية العادلة.
وأمام وضع مَرَضيّ كهذا، تصير المصارحة بالحقائق الجارحة مطلوبة، بل تصير مسؤوليّة القيّمين على الشأن العام. وبالمعنى هذا، تغدو عبارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في محلّها تماماً. فهو، من خلالها، يؤكد أنه المسؤول عن مصالح الفلسطينيين وعن عقولهم وضمائرهم وصورتهم في وقت واحد، حتى لو انزعج كثيرون. فلا يوجد، بالتالي، ما يُعتذر عنه في ما قاله أبو مازن. ما يُعتذَر عنه، في المقابل، هو إنزال الضرر بالشعب الفلسطيني بعد إنزال الموت بمدنيي إسرائيل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حازم صاغية