هي أول انتخابات مصرية حقيقية فعلاً. ولكنها ليست أول انتخابات حرة منذ 7 آلاف سنة؛ فذلك تدليس وضحك على اللحى. وعلى سيرة اللحى، فإنها هي التي فازت، بعد أن أوشك المشهد أن يتعادل بعد الثورة على قوتين في المجتمع المصري: التيار الإسلامي وأنصار النظام القديم. وهي قسمةٌ مخيفة لقراء التاريخ المعاصر. إذ أنّ الثورة في جميع أقطارها لم تنجح حتى الآن في إفراز جسم سياسيّ جديد ذي حضور ملحوظ، وظلّ الصراع على ساحته مقتصراً على تيار إسلاميّ قديم في التشكّل وفي المعارضة، وعلى ما يسمّى "الفلول" (أو بقايا النظام القديم الفاسد والمترهل والمستبد). وهما لبقية أفراد الشعب من خارجهما خيارٌ بين مُرَّيْن. وهذا معناه بعبارة أخرى أنّ الثورة لم تفعل شيئاً سوى إزاحة الرئيس. وهو صحيح. ومع أنّ إسقاط الرئيس الفاسد مطلب مهمّ وحيويّ لتقدّم الشعب وتحرّره من الاستبداد، إلا أنه ليس المطلب النهائيّ. وزوال بن علي ومبارك والقذافي وصالح لم يعن أبداً صلاح البلاد من بعد، بل إن المخيف هو سقوط الدولة معهم، وهذا تماماً ما حدث في ليبيا.
في هذا السياق العجائبي نجح محمد مرسي في مصر، التي حمى فيها الجيش الدولة من الانهيار، على سيئات المجلس العسكري وسوء إدارته للأزمة. ونجاحه ليس تاريخياً بالمعنى المطلق، بل يعني أن الشّعب المصريّ انحاز إلى خيار الإخوان هروباً من خيار الفلول (وهو ما يسمى بالانتخاب الاحتجاجيّ)؛ ذلك أنّ الشّعب المصريّ كان قد انحاز إلى خيار ثالث هو الثورة، مثّله في الجولة الأولى أبو الفتوح وصبّاحي مع آخرين، بمجموع يتفوق على ما حصل عليه شفيق ومرسي معاً. ولكنّ وحدة الصفّ لم تكن هي المنتصرة عند الأحرار والثوار، فتوزّعت الأصوات وانتهينا إلى هذه المواجهة الكلاسيكيّة، التي هي نفسها في تونس، وستكون هي نفسها في اليمن وسورية. أما ليبيا فالله والغرب فقط يعلمان إلى أين ستؤول الأمور!
إذن، إنّ انتخاب مرسي يعني انتصار الإخوان في سياق تشرذم أنصار الثورة، وهو (التشرذم) أمر متوقّع، إذ كيف يمكن لكتل بشريّة غير منظّمة في إطار سياسيّ ورؤية متبلورة في فكر أن تولَد بين ليلة الثورة وضحاها في جسد منتظم له استراتيجيات وآليات؟ لقد أخذ الإخوان منذ تأسسوا 82 سنة من الإعداد والتنظيم والحشد والتدريب حتى حصدوا هذا الفوز! وهذا نفسه يبشّر بأنّ تيار الثورة والتغيير يمكن أن يكون له شأنٌ في مقبل الأيام (ليس شرطاً هذا الوقت الهائل) بعد أن يتوحّد وينضبط في قوة سياسيّة وقيادة قائمة على قيم الديمقراطيّة والحداثة والعدالة الاجتماعيّة.
ومن جهة أخرى، فإنّ فوز مرسي لا يعني فوزاً مطلقاً للإسلام السياسيّ الذي لطالما حلم بتطبيق الشريعة، ضارباً بعرض الحائط وطوله بالديمقراطية وآلياتها، ذلك أنّ القوى العلمانيّة والليبراليّة الأخرى في مجتمع مصر سارعت إلى شرط تأييدها مرسي بالتزامه أن يبقى على مسافة واحدة من جميع تيارات المجتمع وأفراده (أي عدم وضع الإخوان في حضنه دون الآخرين). وقد نجحت أن تنتزع منه قبل فوزه وعوداً بالالتزام بدولة مدنية غير دينية وحديثة، إلى جانب وعود أخرى في عدم غلبة الإسلاميين على الحكم وحقوق المرأة والأقباط.
هذه الوعود والالتزامات هي الشيء الجديد على الساحة السياسيّة العربيّة والمصريّة، كان سبقها كسر عظام بين جميع الأطراف. ولهذا دلالته القويّة في أنّ تيار الثورة قد نجح أخيراً في كبح جماح الإسلام السياسيّ وأنسنة شهوته في اعتلاء الحكم والاستئثار به. وهو فعلاً حدث تاريخيّ يُحسب لهذا التيار الثوري. ولعله ليس من التعجّل القول إن رئاسة مرسي لن تكون نزهةً في العسل إذا ما لم يف بوعوده، وهي لن تكون كذلك على أية حال! ذلك أن القوى الثالثة لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تنظر إلى ثورتها تُخطف وتُسرق، ومن جزء من المعارضة نفسها!
دعونا لا نفقد الأمل...
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد