احتفل ديموقراطيّو العالم، قبل أيّام، بالذكرى الخمسين لانتفاضة هنغاريا (المجر). آنذاك، بدأ التحرّك طلابيّاً وعماليّاً ذا طابع عفويّ، لكنّه ما لبث أن انتهى ثورة وطنيّة عريضة استُحضرت دبّابات "حلف وارسو" لسحقها. فما أن أحكمت الدبّابات قبضتها على البلاد حتّى أُعدم إيمري ناجي، القائد الشيوعيّ الهنغاريّ، الذي انحاز الى شعبه، بوصفه "جاسوساً وعميلاً للإمبريالية".
وأهميّة انتفاضة هنغاريا، التي واكبتها انتفاضة أخرى في بولندا، تبدأ من تاريخها تحديداً: فهي كانت أوّل تمرّد في هذا الحجم تواجهه الكتلة السوفياتيّة منذ نشأتها بعد الحرب العالميّة الثانية ودخول الجيش الأحمر عواصم أوروبا الشرقيّة والوسطى. صحيحٌ أن العمال في ألمانيا الشرقيّة كانوا من أسّس التجرّؤ على الكرملين بتمرّدهم عام 1953 الذي سُحق، بدوره، بالقوّة العسكريّة المحضة. غير أن التحرّك البرلينيّ يبقى صغيراً جدّاً بالنسبة الى ما حصل في بودابست، أكان بقياس التعبئة والحشود أم بقياس المواجهات التي حملت الدفعة الأولى من الدبّابات السوفياتيّة على التراجع والانكفاء.
ثم ان الانتفاضة الهنغاريّة انفجرت بعد ست سنوات على انطلاق الحرب الباردة، التي أثارتها الحرب الكوريّة عام 1950، وبعد ثلاث سنوات على وفاة ستالين عام 1953. وهذان التاريخان يموضعان الانتفاضة في مكان محدّد: فمن جهة، كان ممنوعاً عليها أن تنجح، كائنة ما كانت كلفة القمع المطلوب لإخمادها، نظراً الى احتدام المواجهة مع المعسكر الغربيّ، ولأنّ كلّ تراجع تبديه موسكو كان ليُعتبر مكسباً لواشنطن والحلف الأطلسي. ومن جهة أخرى، تبيّن ان التراجع عن الستالينيّة، الذي أعلنه خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعيّ السوفياتيّ، قبل أشهر على انتفاضة هنغاريا، لا يسري على بلدان الكتلة نفسها، وإذا جاز الأخذ ببعض جوانبه الشكليّة فإن أساسيّاته لن تتعرّض للتغيير أو إعادة النظر.
لهذا ما كاد خروتشوف يبدي بعض الليونة التي حملت على الظنّ ان الكرملين سوف "يحرّر" عبيده، حتى عاد التزمّت من جديد الى الواجهة (وقد لعبت حرب السويس في الفترة نفسها بعض الدور في تعزيز هذه الوجهة، حيث اقترن الخوف من تحرر هنغاريا بالخوف من احتمال سقوط عبدالناصر، حليف موسكو الجديد، في مصر).
وأبعد من كلّ ما عداه أن تلك الانتفاضة صارت المقدّمة لما شهدناه لاحقاً: من انتفاضة تشيكوسلوفاكيا السابقة عام 1968 الى انتفاضة بولندا عام 1979 والتي افتتحت عصر تصديع المعسكر السوفياتيّ ودوله التوتاليتاريّة.
بيد أن المناسبة الكبيرة هذه تدفع الى الفرز في ما بين مسائل تعرّضت لخلط مريع. ذاك أن قراءة تلك الأحداث من وجهة نظر نهاية الحرب الباردة تبقى مضلّلة قليلاً. فهي لا تلبث أن تتحوّل قراءة تصفويّة تأخذ في طريقها كلّ شيء: الماركسيّة والمسألة الاجتماعيّة سواء بسواء. صحيح ان العمليّة التي بدأت بهنغاريا عام 1956 ووجدت تتويجها في انهيار المعسكر الشرقيّ إبّان 1989-1991 وجّهت ضربة مهمّة للثقافة الطبقيّة كما صاغها كارل ماركس وورثته النظريّون. لكنّ هذا شيء وإنكار أيّة قيمة أو معنى للمسألة الاجتماعيّة شيء آخر، تماماً كما أن المساواة بين الماركسيّة(التي تنطوي على احتمال توتاليتاريّ) وبين التوتاليتاريّة الستالينيّة مبالغة بحتة.
والبائس ان هزيمة السوفيات بدل أن تُفهم كحافز لتطوير الديموقراطيّة في بلدانها، ومن ثمّ لإغناء مضمونها الاجتماعيّ ومواجهة سؤال العدالة بعيداً من بعبع الشيوعيّة، تحوّلت على يد جورج دبليو بوش فرصة للانقضاض على الفقراء وعلى المسألة الاجتماعيّة لصالح كبار الأغنياء. ولئن تكفّلت سياسات الاعفاءات الضريبيّة غير المسبوقة هذه المهمّة، جاءت "الحرب على الارهاب"، بالطريقة التي خيضت فيها وتخاض، لتستبعد مشاكل الفقر والمرض والموت والتلوّث البيئيّ، مركّزةً تركيزاً أوحد على الارهابيّين ومكافحتهم. وحتى على الصعد المعرفيّة، لم يعد مقبولاً أن يُشار الى أيّ إسهام قدّمته الماركسيّة في العلوم الاجتماعيّة بذريعة سقوط التوتاليتاريّات الشيوعيّة، مع أن الكثير مما أتى به ذاك المعلّم الألمانيّ الكبير يبقى راهناً وصالحاً!
وما فعله عتاة الرأسماليّة المنفلتة من كلّ عقال ممثّلين في الإدارة الأميركيّة الحاليّة، كمّلته الأنظمة التي بقيت متمسّكة باللفظيّة الشيوعيّة، معاندةً كلّ ما تشير اليه الوجهة التاريخيّة الغالبة. فالاثنان تحالفا ضدّ الفقراء والبائسين مثلما تشاركا في تشويه صيت الماركسيّة.
والحال أنّنا نقع في الأنظمة الشيوعيّة المتبقّية على قيد الحياة على خليط غير متجانس من تراكيب لم يعد يجمع بينها عمليّاً إلاّ القمع وعبادة الشخصيّة. فالصين التي تؤكّد على "حكم الطبقة العاملة" تمارس أبشع استغلال رأسماليّ ممكن للعمّال، ويكاد أدنى إخلال بأنظمة العمل يؤدّي بصاحبه الى عود المشانق(حكم الإعدام يكاد يكون تحصيل حاصل في الصين). أمّا كوريا الشماليّة فورّثت السلطة لكيم جونغ إيل بعدما كانت في عهدة أبيه كيم إيل سونغ، وهو ما حصل للمرّة الأولى في نظام جمهوريّ(المرّة الثانية شهدتها سوريّة). وأبعد من هذا، إخضاع الكوريّين الشماليّين للموت جوعاً وللاستبداد والقهر والقطيعة الكاملة عن العالم الخارجيّ، معطوفاً على بناء سلاح نوويّ! وفي كوبا قد يرث راؤول كاسترو الحكم من أخيه فيديل في حالة وفاة هذا الأخير الذي يحكم الجزيرة الصغيرة والمفقرة والمحرومة من الحريّات منذ 1959. أمّا فيتنام التي تئنّ تحت وطأة القمع، لا سيّما جنوبها الذي ضُمّ بالقوّة الى الشمال في أواسط السبعينيات، فلا تزال معركتها الأكبر كيفيّة الحصول على معونات واستثمارات غربيّة، خصوصاً أميركيّة.
لقد افتتحت هنغاريا فصل الحريّة في القرن العشرين، وهي معركة لا تزال مستمرّة في بلدان وقارّات أخرى. لكنّ الحرّ ينبغي أن يكون عادلاً ومسؤولاً أيضاً.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حازم صاغية