تطرح منطقة الشرق الأوسط على الفكر السياسيّ أسئلة ندر أن طُرحت من قبل.
صحيح أن بناء الجدران والسواتر والحواجز أمر ممقوت، ليس فقط داخل شعب واحد، على ما هي حال العراق، بل أيضاً بين شعبين، على ما هي حال فلسطين واسرائيل. لكن ماذا حين يتأدّى عن رفع الجدران والسواتر التحام دمويّ بين جماعتين أو بين شعبين؟
وإذا كانت بداية المعالجة حلّ المشكلة الفعليّة، لا الانطلاق من نتائجها أو من رموزها، فكيف تُحلّ المشاكل القائمة اليوم؟
فلنقرأ، مثلاً، هذا الاستهلال الكئيب الذي يبدأ به حسين آغا وروبرت مالي مقالهما الأخير في "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، والمعنون "الطريق من مكّة":
"الفكرة القائلة بأن المشاورات الثنائيّة بين الاسرائيليّين والفلسطينيّين يمكن أن تؤدّي الى حلّ نهائيّ، باتت ميّتة. العالم يتوصل لإدراك ذلك، ببطء. إن فشل هذه الفكرة كان محتّماً لأنه لم يكن لدى أيّ من الطرفين، وحده، القدرة على سدّ الهوّة الكبيرة في المواقف بينهما. فالطرفان لا يثقان ببعضهما، لكن هذا أيضاً لا يشكّل تفسيراً كافياً. وإذا كانت المفاوضات الثنائيّة قد أصبحت بمثابة طريق سريع الى أفق مسدود، فسبب ذلك يعود الى افتقار النظامين السياسيّين الاسرائيليّ والفلسطينيّ الى القدر اللازم من التماسك والترابط".
فلنأخذ لبنان مثلاً: لقد كشفت حادثة الخطف، ثم القتل، الأخيرة كم أن الحقن السياسيّ والتوتير اللفظيّ خطيران. لكن، وإذا ما وضعنا الوعظ جانباً، كيف يمكن تجنّب الحقن والتوتير ما دام الخلاف قائماً حول كلّ شيء تقريباً، وما دامت القنوات المؤسسيّة التي يُناط بها عادة حلّ المشكلات، هي، بدورها، معطّلة وموضوع خلافيّ؟
بلغة أخرى، هل من علاج داخليّ، أو عناصر علاج أوليّة، لخلاف شامل كهذا، خلافٍ يمتدّ من الحكومة الى المحكمة، ومن سورية الى الاقتصاد...؟ وفي حال تعادل كهذا، من غير توافر أدوات حسمه بالقوّة، أيّ معنى يبقى لما هو "حقّ" أو ما هو "صحّ" ما دام نصف الشعب يرفضه؟
بعض ما يعنيه واقع كهذا، على تفاوت تعابيره، استعصاء الحلول على القوى الصانعة للمشكلات أو المعبّرة عنها. فمن دون انسحاب أميركيّ واسرائيليّ من العراق وفلسطين لن يصار الى تهدئة البلدين. هذه حقيقة لن يكون سهلاً على أي مشكّك أن يشكّك بها من حيث المبدأ. لكن هل الانسحاب كفيل بذاته أن يحقّق التهدئة تلك؟ أولا يقودنا الانسحاب المطلوب الى مواجهة أشرس وأكثر شفافيّة، لا تتخلّلها الوسائط، مع التراكيب الأهليّة والعصبيّة على أنواعها، ومع الثقافة التي تتحكّم بالوعي وصولاً الى سياسات معيّنة تترتّب على ذاك الوعي (رفض "حماس" الاعتراف باسرائيل... أو التركيبة التي يرمز اليها ويقودها مقتدى الصدر)؟
ما من شكّ في أن ما نواجهه هنا هو ذاك الانخداع بأن دول المشرق دول وان مجتمعاته مجتمعات. وفي واقع هزيل الا جماعات كهذا يصير "الخارج" كلّ شيء تقريباً. فهو، إذا حارب أو سالم، دعا الى الديموقراطية أو شجّع على الاستبداد، نشر العلمانيّة أو بشّر بالدين، يبقى العنصر الكاشف لمجتمعاتنا الاسميّة، يفجّرها أحياناً ويلصق أطرافها أحياناً أخرى.
*****
حين نتحدّث عن "أزمة الشرق الأوسط" تغيب عن بالنا حقيقة ينبغي ألاّ تغيب، لا سيّما لدى احتساب توازنات القوى بالمعنى الشامل للكلمة.
الحقيقة تلك هي أن اسرائيل غدت إحدى القوى العالميّة الكبرى في الاقتصاد المعلوماتيّ أو ما بعد الصناعيّ. فـ 9 في المائة من الاسرائيليّين يعملون في هذا القطاع الذي بات عائده على الاقتصاد والاجتماع الاسرائيليّين بالغ الضخامة. ففي العام الماضي جاءت نسبة نموّ القطاع المذكور في المحلّ الثاني عالميّاً بعد الولايات المتّحدة. وعلى ذاك السهل الساحليّ الذي غدا يُعرف بـ "وادي سيليكون" قفزت شركات صار تعدادها على مؤشّر "ناسداك" في نيويورك يفوق تعداد الشركات العالميّة جميعاً ما عدا الأميركيّ منها.
وخلال حرب اسرائيل وحزب الله، في الصيف الماضي، على ما كتب شرميلا ديفي في المجلة الأسبوعيّة التي تصدرها جريدة "فايننشيال تايمز"، استمر رجال الأعمال الذين يعملون في القطاع المعلوماتيّ في نشاطهم، يتدارسون خطط التطوير ويعقدون الصفقات، غير عابئين بالصواريخ التي تتساقط على الشمال. ومع انتهاء القتال تبيّن أن تلك الحرب لم تخفض النموّ في اجمالي الناتج المحليّ، والذي بلغ العام الماضي 5.1 في المائة، إلا بنسبة تقلّ عن 1 في المائة. في المقابل، ارتفعت صادرات التقنيّات المعلوماتيّة الرفيعة بنسبة 20 في المائة.
والحال ان تل أبيب هي دوماً الأقلّ تأثّراً بالصراع الفلسطينيّ/العربيّ – الاسرائيليّ، إذ انشدادها الى نيويورك ووادي سيليكون أقوى مما الى القدس والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. واقتصاد تل أبيب، اذا صح التعبير، كان دائماً الأكثر ادراكاً لأهميّة البيئة الاقتصاديّة المستقرّة كشرط شارط للتجديد والاقدام في مضمار البيزنس. وما نزال نذكر كيف ان اسرائيل عرفت في مطالع الثمانينيات، مع الحرب في لبنان، أسوأ مراحلها على الاطلاق، حيث وصل التضخّم الى نسبة تتجاوز الـ 500 في المائة سنويّاً وتبخّر الشيكل واعتُمدت الدولرة. وقد تأدّى عن تلك الأزمة تخلّي اسرائيل عن مشروعها لانتاج طائرة "ليفي" المقاتلة بعد أن ضغطت عليها الولايات المتّحدة اعتراضاً على الكلفة الاقتصاديّة لمشروع لم تعد الدولة العبريّة تملك مقوّماته. وكان من نتائج ذلك تسريح مئات المهندسين وهجرة بعضهم الى الخارج.
وفي المعنى هذا، كانت فترة الانتقال من الكبوة الى النهوض قصيرة جدّاً، فيُستحسن، بالتالي، ألاّ تُقرأ أعمال لجنة التحقيق الأخيرة قراءة متسرّعة ووحيدة الجانب، على ما يفعل، للأسف، "المنتصرون" في حرب الصيف.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حازم صاغية