مرّ انفصال سيسيليا ساركوزي عن زوجها الرئيس الفرنسيّ نيكولا، مرور الكرام على غالبية ساحقة من الكتّاب والكاتبات العرب. فالانفصال الأسريّ وجد في صحافة المنوّعات والترفيه، التي تحاكي الأداء التلفزيونيّ الخفيف، فسحة أعرض بكثير مما وجد في صحافة الجدّ.
وأغلب الظنّ أن هذا مردّه الى أمرين اثنين لا يتناقضان إلاّ في المظهر والشكل:
فمن جهة، تندرج قضايا العائلات (والعائلة "مقدّسة" طبعاً) في ما لا يجوز إعمال التحليل والتفكير فيه، وإن جاز التلصّص عليه من خارج على نحو ما يُتلصص على مسلسلات تلفزيونيّة من طينة "دالاس" و"داينستي".
ومن جهة أخرى، يسقط الجدّ والجديّة، في ثقافتنا الذكوريّة، عن كلّ ما يتّصل بـ"النسوان". فهؤلاء مكانهنّ، ومكان "قضاياهنّ" التسلية والتفكهة فحسب.
والحال ان سيسيليا ساركوزي دفعتنا دفعاً الى المهمّ، بل الى النبيل.فهي لم تكتف بطلب الاستقلال عن "الزوج"،إذ هي استقلّت أيضاً عن "الرئيس". ومؤدى ذلك أنها شاءت أن تعيش حياتها، وأن تتقدّم من هذا العالم، بوصفها إمرأة وبوصفها فرداً يصعب إلحاقه بفرد آخر حتى لو كان... رئيساً لجمهوريّة فرنسا.
وما يقوله هذا إن الحريّة لها كلفتها.فهي لا تُنال بالتمنّي والتمسّك بالامتيازات التي قد يوفّرها الالتحاق بآخرٍ مهمّ وقويّ وذي سلطة.
لقد أعلنت سيسيليا أنها، من أجل أن تتحدّث كامرأة وكفرد مستقلّ، مستعدّة لدفع أثمان كبيرة حقاً.
فما يمثّله، بالتالي، انفصال عائلة ساركوزي، وبالطريقة التي تمّ فيها، ربما كان مؤشّراً الى ثقافة أخرى تردّ على ثقافة عائلة القصر. فمنذ جون كينيدي وزوجته "السيّدة الأولى" جاكلين، صارت عائلة القصر، أو السعي الى عائلة قصر، أداة من أدوات عدّة الشغل السياسيّ. وهو ما دعمته المحافظة البروتستانتيّة الأميركيّة في امتزاجها بجرعة من الاستعراض الهوليووديّ المبهرج. فالمهرجان الانتخابيّ لا يكتمل إن لم يقف المرشّح محاطاً بزوجته وأولاده يعانقونه ويقبّلونه بعد انتهائه من إلقاء خطبته. أما المرشح الذي لا يكون متزوّجاً،وأحياناً أباً، فيعاني ضعفاً في ترشّحه أكبر من ضعف افتقاره الى برنامج انتخابيّ. فإذا ما قيّض للمرشّح هذا الوصول الى البيت الأبيض، أو ما يعادله من قصور،بات حضور زوجته، وأحياناً رأيها، جزءاً من الديكور الذي يستدعيه الحكم وطقوسه الجديدة، فيما يلحّ الإعلام في طلبه وترويجه.
طبعاً ظهرت، قبل جون وجاكلين كينيدي،سيّدات كإليانور روزفلت التي دخلت الى البيت الأبيض بدخول زوجها الرئيس فرانكلين روزفلت اليه في 1933. إلا أن اليانور، الصحافيّة والنسويّة والمناضلة في سبيل حقوق الانسان، لم تكن مرّة "زوجة الرئيس".
لكن المعايير التي بدأ يُعمل بها منذ أوائل الستينيات أعادت تدوير المواصفات الخاصّة والشخصيّة بما يخدم صورة العائلة الأولى. حتى باربرا بوش، زوجة جورج ووالدة جورج دبليو،التي يصعب العثور على ميزة لها، عُمّمت صورتها بوصفها تلك الأمّ الهادئة والحكيمة التي لا تتفوّه إلا بالصواب ولا تأتي من الأعمال إلا الأنبل. وفي المقابل، كانت حُجبت عن الأنظار دسائس نانسي ريغان، زوجة رونالد ريغان، وصغائرها، مثلما حُجبت،من قبل،الحياة العاطفيّة المضطربة لجون وجاكلين كينيدي حرصاً على انسجام الصورة وأمثَلَتها.
بيد أن السنوات الأخيرة حملت تغيّرات تعدّدت اتجاهاتها وتفاوتت في هذا الوسط الذي يُفترض به أن يقدّم،لسائر المجتمع،النموذج المرغوب. فالأميرة ديانا أحدثت انعطافة ضخمة في تقاليد قصر باكنغهام الأسريّة، إذ تقدّمت، هي الأخرى، من العالم بوصفها ما هي عليه. وعلى رغم الفارق الذي أشار إليه بعض المراقبين بين شخصيّتي سيسيليا وهيلاري كلينتون، يمكن العثور على قاسم مشترك اختلفتا في التعبير عنه. فالأولى لم تدفعها خلافاتها مع زوجها، لأسباب عاطفيّة وغير عاطفيّة، الى التستّر عنها تمسّكاً بامتيازات ضخمة (وهو ما تفعله نساء كثيرات لا تحرّكهن نفس القيم التي تحرّك سيسيليا). أما هيلاري التي تستّرت وكادت تتجاهل
"قضيّة مونيكا لوينسكي" وما سبقها وتلاها، بحيث بدت امرأةً من حديد، فكانت تجعل ذلك خدمةً لطموح شخصيّ لم يغادرها مرّة. فهي مذ عرفت بيل كلينتون، آثرت ألاّ تكون "زوجة الرئيس"، إلاّ أنها، فقط بوصولها الى الرئاسة، تستكمل تعريفها الذاتيّ وتكفّ نهائيّاً وبالمطلق عن كونها "زوجة الرئيس".
وعلى العموم، يجوز لنا القول إن هناك فهمين لـ"الكرامة"، وتحديداً "كرامة المرأة"، متضاربين كليّاً: أما الفهم الذي ترمز إليه سيسيليا فذاك القائم على ردّ الاعتبار لاستقلاليّتها ولكونها امرأةً وفرداً. وأما الفهم الآخر، وهو السائد في المجتمعات التقليديّة وفي مقدّمها بلداننا، فمفاده أن كرامة المرأة شرطها القبول بالانسحاق الذاتيّ والالتحاق، تابعةً طائعةً، بالرجل-الزوج.هكذا تطمئن "التقاليد" ويرضى "الناس". والمهمّ، في آخر المطاف، ما يقوله "الناس"، لا حياة النساء ولا حريّاتهن!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حازم صاغية