هل كانت أواخرُ القرنِ التاسع عشر وبداياتُ القرنِ العشرينَ عصرَ نهضةٍ، كما وصفَتْها الكتبُ المدرسيَّةُ وكتبُ أهلِ الفكرِ والأدبِ؟؟ أم أنَّها لم تَرْقَ إلى شَرَفِ هذا الوصفِ -الذي لم يدمْ طويلاً على أيَّةِ حالٍ- بسببِ ما ساقَهُ دعاةُ التشدُّدِ الدِّينيِّ من حُجَجٍ؟؟ وهل أنَّ جهودَ رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمَّد عبده ومحمد رشيد رضا وقاسم أمين وعلي عبد الرازق ليست سوى اتِّباعٍ للغربِ، ومَتْحٍ من منابعِه البعيدةِ عن دينِنا وثقافتِنا؟؟ وهل صحيحٌ القولُ بأنَّ عصرَ النهضةِ ذاك لم تكن فيه نهضةٌ حقيقيَّةٌ لأنَّ الشعوبَ العربيَّةَ لم تتعلَّم من أوروبا صناعةَ التكنولوجيا، وإنَّما اقتصرت على استيرادِها واستهلاكِها؟؟
هذا ما يردِّدُه المحافظونَ الجُددُ من أهلِ الفكرِ والأدبِ والفقهِ والإفتاءِ الذينَ يواربُ بعضُهم الاعتراضَ على أفكارِ الأفغاني وعبده ورضا وأمين وعبدالرازق بالاعتراضِ على صِفةِ (النَّهضة)، متجاهلين – عن قصدٍ أو جهلٍ أو نسيانٍ– سيطرةَ الفكرِ الإسلاميِّ المتشدِّد والذي كانَ يقتصرُ على التحريمِ والتَّكفير، مثل القولِ بتحريمِ استعمال المطبعة، فضلاً عن صنعها، وذلك بُعَيْدَ اختراعِها في أوروبا لأنَّ مخترعيها (كُفَّارٌ)، وحفاظاً على (الهوية) و(التراث) بالحفاظِ على الخط العربي!!!
إنَّه إذا كانَ هذا الفكرُ –وعلى مدى قرونٍ– رهنَ موقفٍ راديكاليٍّ من الحداثةِ، فإنَّه من الطبيعيِّ عند أوَّلِ احتكاكٍ بمن سبقَنا إلى الحداثةِ والحريَّةِ أن يظهرَ علماء يحرِّكونَ ساكنَ هذا الفكرِ، ويجدِّدون آسِنَ تلكَ المجتمعات التي تأكلُها الأميَّةُ والاتِّكالُ والغيبياتُ (الجِنِّ والسِّحرِ وغيرُها)، وهذا تماماً ما فعلَه علماءُ عصرِ النهضةِ الآنفُ ذكرُهم..
فعليهِ، إنَّ النهضةَ في ذلك العصرِ إذ لم تكن تكنولوجيَّةً، فإنَّها فكريَّةٌ تلَتْها نهضةٌ أدبيَّةٌ وثقافيَّةٌ وتعليميَّةٌ. فأن يَحُضَّ الطَّهطاوي على التعليمِ عموماً وعلى تعليم البنات، أسيراتِ البيتِ وذُلِّ الجهلِ والفقرِ، على وجه الخصوصِ، في بيئةٍ شديدةِ التخلُّفِ، فإنَّها ليست نهضةً فحسب، بل هي ثورةٌ اجتماعيةٌ لا تحملُ سيفاً. وفي هذا الإطار ينبغي النظرُ إلى عصر النهضةِ وعلمائه الذين جرؤوا على طرحِ ما لا يجرؤ عليه اليومَ إلا من استخفَّ بأمنِه وبحياتِه أمثالُ نصر حامد أبوزيد. فقد رأوا في وقتٍ مبكِّرٍ وسابقٍ لعصرِهم أنَّ القراءة المتخشِّبةَ والمتحجِّرةَ للدينِ هي التي تعمُّ وتطمُّ وتنظمُ أركانَ الحياةِ في الأسرةِ والمجتمعِ، فطرحوا قراءةً حديثةً وجديدةً قائمةً على التفكُّرِ والإبداع واستلهامِ روحِ الدينِ وتصحيحِ مسارِ فهمِه باستلهامِ أعظمِ القواعدِ الفقهيَّةِ قاطبةً: "تغيُّرُ الأحكامِ بتغيُّرِ الأحوالِ والأزمان". وهي قراءةٌ متقدِّمةٌ على سياقِها السَّابقِ واللاحق، مع الأسف، حرَّرتِ النَّصَّ المقدَّسَ من فوبيا الحداثةِ، ووضعَتْه على منصَّةٍ مفتوحةٍ للنورِ والهواءِ بما يُشبِهُ فِطرتَهُ الأولى.
إنَّ التمسكنَ عند أصالةِ النَّهضةِ من عدمِها لا يشبهُهُ في القيمةِ والمنحى إلا فتوى إرضاعِ الكبير ونكاحِ الطفلاتِ. وإنَّهُ من جهةٍ أُخرى لعدمُ تجرُّؤٍ على الإشارةِ إلى الأسبابِ الحقيقيَّةِ لإجهاضِ نهضةِ العرب وعلى رأسِها زرعُ إسرائيلَ وما استنزفَتْه من قوىً معنويَّةٍ وماديَّةٍ في حروبِها المتعدِّدةِ ووجودِها السَّرطانيِّ. ثُمَّ إنَّهُ الاستبدادُ الاستبدادُ الاستبدادُ الذي ليس من شأنِه إلا أن يهريَ النسيجَ المتماسكَ لروحِ الشعوبِ، ويزيدَ من خيباتِها التي كانت الأرضَ الخصيبةَ لظواهرَ فتكتْ بالمجتمعاتِ العربيَّةِ، وجعلَتْ من التديُّنِ الشَّكليِّ وغيرِ العميقِ والمعادي للتغييرِ الإيجابيِّ هدفاً أوحدَ لها، متنازلةً بذلكَ عن طموحاتِ الأممِ الحَيَّةِ في طلبِ الحريَّةِ وإقامة العدلِ وتحقيق المساواة، والتماسِ سبُلِ التقدُّمِ العلميِّ

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد