يترك رحيل الدكتور جورج حبش، مؤسّس "الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين"، شعوراً في النفس لا يخلو من حزن وأسى. فالرجل الذي يصفه عارفوه بالطيبة والنزاهة والترفّع عن الغرض ونَذر النفس للقضيّة، وهي أوصاف في محلّها، قضى مخلّفاً "قضيّة" تراجعت كثيراً عمّا كانتْه يوم تصدّى "الحكيم" لقيادتها.
فليس فقط أن فلسطين لم تُحرّر "من النهر الى البحر"، بل أيضاً أن شعار "من النهر الى البحر" صار لعبة سهلة في أيدي الأنظمة وتنظيماتها، تسحبه من التداول ساعة تشاء وتطرحه في التداول ساعة تشاء، على ما دلّ مؤتمر "الفصائل" الرافضة الأخير في دمشق. وليس فقط أن الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة لم يتقدّما في اتّجاه الدولة الواحدة والمجتمع الواحد، بل أيضاً أنهما يعيشان حالتين سلطويّتين متناحرتين متنابذتين، فيما يعاني القطاع الوضع البائس الذي يعانيه راهناً.
وأبعد من ذلك أن حبش، المسيحيّ مولداً الذي اختار العلمانيّة والقوميّة ومن بعدهما الماركسيّة والإلحاد، انتهت التجربة الأولى التي أسّسها، أي "حركة القوميّين العرب"، الى إخفاق مدوٍّ، وكان صدامها بالناصريّة الضربة الأقوى التي أنهت وجودها كطرف "قوميّ". بعد ذاك انتهت تجربته الثانية التي أسّسها كذلك، أي "الجبهة الشعبيّة"، الى إخفاق آخر لا يقلّ دويّاً: فالجبهة تحوّلت، وكذلك "الجبهة الشعبيّة الديموقراطيةّ" و"الجبهة الشعبيّة-القيادة العامّة"، وهي كلّها انشقاقات عنها، فصيلاً ثانويّاً في العمل الوطنيّ الفلسطينيّ بعد أن كانت طويلاً الطرف الثاني الذي يلي "حركة فتح". أما الذين ورثوها من حيث الحضور والقوّة في العمل الفلسطينيّ، كـ"حماس" و"الجهاد الإسلاميّ"، فنضاليّون دينيّون لا يربط وعيَهم رابط بوعي "الحكيم" العلمانيّ القوميّ أو الماركسيّ الإلحاديّ. وليس قليلاً في دلالته الرمزيّة أن قطاع غزّة حيث ترعرعت "حركة القوميّين العرب"، ومن بعدها "الجبهة الشعبيّة"، هو الذي غدا معقل "حماس" تأخذه الى حصاره والى معاناته التي لا يتورّع الإسرائيليّون عن تشديد الخناق عليها.
حتى الإرهاب الذي أُخذ على "الجبهة الشعبيّة"، وغالباً ما رُبط باسم صديق عمر حبش، الدكتور وديع حدّاد، لم يعد يُذكر في ألبوم "الإنجازات الثوريّة". فهو أصبح لعبة أطفال بقياس أعمال الانتحار اللاحقة التي رعتها تنظيمات الراديكاليّة الإسلاميّة فجبّت ما قبلها من أعمال مماثلة. وإذا صحّت الرواية، فإن حدّاد لم يقض على أيدي الصهاينة والامبرياليّين الذين قاتلهم، بل مات مسموماً على يد رفيق في الخندق الواحد "ضدّ الصهيونيّة والإمبرياليّة"، هو الرئيس العراقيّ صدّام حسين.
لكن سيرة جورج حبش ملأى بأسباب أخرى للحزن والتعاسة. فالرجل ازدهر وصعد نجمه في إحدى العواصم "الرجعيّة"، أي بيروت، حيث درس شابّاً وأسّس مع أصدقائه الطلبة في جامعتها الأميركيّة، كحدّاد وهاني الهندي وجهاد ضاحي، "حركة القوميّين العرب". ثم لمع نجمه فيها مرّة ثانيةً إبّان حرب السنتين (1975-1976) وصولاً الى الاجتياح الإسرائيليّ لها عام1982. آنذاك صار ابن اللدّ أحد صنّاع القرار اللبنانيّ في سياق من النزاع الداخليّ والإقليميّ الذي بوشر معه تهديم لبنان وتهديد كلّ العلامات المضيئة التي احتواها ورمز إليها، بما فيها الجامعة الأميركيّة التي درس حبش فيها.
وهو ازدهر وصعد نجمه في عاصمة عربيّة "رجعيّة" أخرى هي عمّان. فهناك، أيضاً، تحوّلت جبهته الشعبيّة، ما بين1968 و1970،طرفاً صانعاً لحياة سياسيّة موازية وجدت ذروتها المأسويّة في حرب أهليّة هدّدت علامات الاندماج وتمتين النسيج الوطنيّ مما استغرق بناؤه عقدين كاملين.ومن خلال "استراتيجيّة خطف الطائرات" الى "مطار الثورة"، لعبت الجبهة المذكورة أحد أكثر الأسباب المباشرة في الدفع الى الاقتتال والاحتراب. وكمثل السياسيّ السوريّ الراحل أكرم الحوراني من قبله، وهو الذي قضى نصف عمره يكافح "السياسة الرجعيّة الأردنيّة"، أغمض جورج حبش عينيه في واحد من مستشفيات عمّان.
وهي، على عمومها، مأساة جيل تتوارثها أجيال، ومحنة قضيّة ووعي لم يكن دائماً حكيماً.

 

حازم صاغية


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  حازم صاغية   العلوم الاجتماعية   الآداب