ما المبتغى من أن يبني مسلمو أميركا مسجداً قرب حادثة تفجير الحادي عشر من سبتمبر؟ هل هو التأكيد على قيم التسامح التي يحفل بها الإسلام؟ أم لا يخلو الأمرُ من رسالة تحمل في طيَّاتها أننا موجودون برغم هذا العداء العارم للإسلام والمسلمين؟ لقد وافق عمدة نيويورك على الموقع، وهذا بحدِّ ذاته تعالٍ على الحقد الذي يعتملُ في صدر اليمين الأميركي والغربي بفعلِ الإسلام فوبيا (الخوف من الإسلام)، كما يُشكِّلُ تسامحاً حقيقياً تجاه المسلمين وإسلامهم. ولكنَّ إصرار المسلمين على الموقع برغم الفتنة المتفاقمة التي أحدثها في الأوساط المعادية، يعني أنَّ المسلمين هناك قرَّروا أنَّ أوان دفع فاتورة كراهية الإسلام قد حان، بالرغم من أنَّ هذه الفاتورة لا تُدفع إلا باستخدام آليات ديمقراطيّة راسخة يخالط دعاتَها من المجتمع الأميركي الشعورُ بالذنب والنزاهة والرقيِّ الأخلاقي الذي يتجلى في قبول الآخر والاعتراف به.
إذ لا بدَّ ونحنُ نكيل الشتائم للمجتمع الغربي الذي لا نكفُّ عن زجِّ أنفسنا – ديناً وثقافةً – في قلبه، من أن ننوِّه بمن يساندنا من أبناء هذا المجتمع وبناته، ممن يؤمنون إيماناً لا يتزعزع بالديمقراطية وبالمواطنة وبالمساواة وبحقوق الأقليات وبحرية الأديان. فمقابل قسٍّ واحد موتور وساعٍ إلى الشهرة ويهدِّد بحرق المصحف، ثمَّة آلاف مؤلَّفة من المتضامنين والمتضامنات مع حقوق المسلمين، وثمة قوانين تمنع الاعتداء عليهم، وفلسفة منتشرة اسمها "الصحة السياسية" تنبش في الكلام وما بين السطور منعاً للوصم الذي يعني العدوان على فئة من فئات المجتمع دون وجه حق.
وعلى ذلك فإنَّ قصة مسجد نيويورك برمَّتها تندرج تحت صراع المسلمين لإثبات وجودهم في أمكنة وثقافة تطوَّر لديها إحساس مروِّع بالخوف والكراهية بسببِ مشكلة من داخل المنظومة الفكرية (التعالي على الآخر والتفوُّق العنصريّ)، وبسبب مشكلة من خارجها تخصُّ المسلمين وسلوكَهم المغايرَ حضاريّاً.
وفي معارك الحجاب والمآذن وبناء المساجد يستغلُّ المسلمون إلى أقصى حدٍّ ما يتيحه الغرب من قوانين تحمي حقوق الأقليّات وحرية الأديان، وينزعجون من أي مسٍّ بثقافتهم حتى عندما تتعارض مع ما استقرَّ من علمانيَّةٍ غربية، بينما ينسون وبصورة مروَّعة القوانين والممارسات التي ترسف بها بلدانهم الأصلية ضدَّ الحريات والديمقراطية والتي كانوا من ضحاياها، حيث لن يقبلوا أن يطبَّق في هذه البلدان النظامُ الديمقراطيُّ، بل النية تتجه إلى صبغ الدولة بصبغة واحدة لا تحتملُ أيَّ تعدُّدٍ. وهذا يضعهم في مواجهة مع صميم مفهوم الأخلاق، ومع الانتهازية بمعناها المطلَق.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد