مع تبادل إطلاق النار وسقوط قتيل وجرحى على الحدود المصريّة – الفلسطينيّة، وقبل أن تتدهور الأمور الى الدرَك الذي هبطت إليه، تطوّع عدد من الكتّاب والمعلّقين العرب للتعليق على الحدث المأسويّ.
لكن أحد هؤلاء، وهو ممانع بقدر ما هو مؤثّر "جماهيريّاً"، بلغت به الحماسة والولاء لطريقة شائعة في النظر والتفكير، الى حدّ القول: "لا يمكن أن نصدّق أن فلسطينيّاً يمكن أن يصوّب بندقيّته باتّجاه جنديّ مصريّ، أو العكس". وهو لا يلبث أن يذهب أبعد من ذلك، ملاحظاً وجازماً بأن "الذين أطلقوا النار على قوّات الأمن المصريّة من المشكوك أن يكونوا فلسطينيّين، وهم على الأغلب مندسّون في أوساط اليائسين المحبطين من إغلاق المعبر الذين تجمّعوا في الجانب الآخر من الحدود". ذاك أن "قطاع غزّة مليء بالعملاء للأسف من مخلّفات مرحلة الاحتلال والأجهزة الأمنيّة الفاسدة (...) [و] لن يكون مفاجئاً بالنسبة إلينا أن يكون بعض هؤلاء قد تسلّلوا وسط الحشود الغاضبة من إغلاق المعبر وأطلقوا النار على قوّات الأمن المصريّة في الجانب الآخر لتصعيد حملة الكراهيّة ضدّ الفلسطينيّين في أوساط الشعب المصريّ".
والحال أن ثمّة ضرورة ملحّة ودائمة لمكافحة ميل راسخ عند بعض الإعلام المصريّ الى التلويح بالويل والثبور كلّما انتُقدت السياسة المصريّة. فتطابُقٌ كهذا بين السياسات الحكوميّة والإعلام سيّئ من حيث المبدأ ودالٌّ الى محدوديّة المستويات السياسيّة والتعبيريّة في غالب بلدان العالم العربيّ. لكنّه، فوق هذا، يجرّ في أحيان كثيرة الى أحكام عنصريّة قد تطاول الفلسطينيّين، وقد تطاول، في مناسبات أخرى، غيرهم من الشعوب فتأخذهم بالجملة كأنهم واحد أحد مقدود من صخر.
بيد أن ذاك شيء والفقرة أعلاه شيء آخر.
فهنا يُنفى أن يكون الفلسطينيّ فلسطينيّاً والمصريّ مصريّاً، ولا تحضر، بدلاً منهما، إلاّ أشباح- أشباح سحريّة وتآمريّة "تتسلّل" في العتم والخفاء لتنفيذ خططها ومآربها الجهنّميّة. وهذا "النهج" في الكتابة والتفكير ليس رأي كاتب فحسب، بل هو، كما سبقت الإشارة، طريقة ذهنيّة تشغل حيّزاً واسعاً من وعينا وتنعكس في أطنان مما نقول ونكتب وننشر.
وقد ردّ عدد من المحلّلين "النهج" هذا الى أننا لم نصنع تاريخنا الحديث، بل صنعته قوى وتطوّرات وفدت إلينا من الخارج بسبب صعود الغرب وتردّي موقع هذه المنطقة في العالم المعاصر. فالوجهة التي بدأت مع حملة نابوليون بونابرت الى مصر، وبعد ذلك قدوم الانكليز اليها في 1882، بلغت ذروتها مع نشأة الدول الحديثة عبر مداخلات القوى الأوروبيّة وأدوارها.
ولمّا لم نعمل، في الزمن اللاحق، لا سيّما منذ نيل الاستقلالات، على ملء هذا الفراغ الداخليّ بالسياسة، كي لا نقول بالديموقراطيّة، فيما استمرّت ظواهر الاستبداد والتفرّد وصناعة القرارات بعيداً من المساهمة الشعبيّة، صارت الحياة العامّة، في عرفنا، مجموعة ألغاز وأسحار.
فنحن نحيل ما لا نعرفه وما لا نملك أيّة صلة شفّافة به، أو أيّة قدرة على مراقبته، الى الإشاعة في أحسن الأحوال، والى المؤامرة في أسوأها: بالإشاعة نجمع معلوماتنا وبالمؤامرة نحلّلها. وبدل التفكير في أحوالنا على نحو مطابق لها، وبدل تسمية الأشياء بأسمائها، أو محاولة ذلك، نروح نرسم صورة لنفسنا الجماعيّة بوصفها ناصعة واحدة لا يأتيها الانقسام من قريب أو بعيد، فإذا انقسمت نجم ذلك عن أن الغريب "تسلّل" وشاء لها أن تنقسم.
وهذا، في أغلب الظنّ، ذو أضرار سياسة هائلة وباهظة الكلفة. فقد آن الأوان، مثلاً لا حصراً، أن نتوقّف عند مشاكلنا الفعليّة، وفي عدادها معنى الحدود الترابيّة واحتمال تناقض الوطنيّات والمصالح العربيّة، وهو ما نرى عليه عشرات الأمثلة "ما بين المحيط والخليج"، آخرها ما بين مصر وفلسطين. لكنّنا نؤثر إخفاء وجوهنا بأصابع شمعيّة.
والحال أن الأمر يتعدّى السياسة وأضرارها الى بُنى ذهنيّة منشطرة منفصمة في فهمها للذات وللآخر وللعالم في عمومه. فعملاً بـ"نهج" كهذا نبقى نترجّح بين نزوع رغبويّ نفرضه فرضاً على الواقع وبين صدمة لا تلبث أن تهزّنا وتعصف بنا مع كلّ اصطدام بالواقع الفعليّ هذا.
فالذي حصل، في آخر المطاف، كان مشكلة مصريّة – فلسطينيّة معقّدة الأسباب والخلفيّات متعدّدة التعبيرات. وما لم نتطرّق اليها بصفتها هذه، بعيداً من "الأخوّة" وبعيداً من "تسلّل" أهل المؤامرات، نبقى نكرّر ما حصل على معبر رفح مثنى وثلاثاً من دون أن نعلم فعلاً ما الذي يجعله يحصل!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حازم صاغية