كنتُ قبل أسابيع أشاهد حلقةً من البرنامج الثقافي الوحيد في التلفزيون الأردني، يشارك فيه دائماً إلى جانب مقدم البرنامج الدكتور خالد الجبر، الأستاذُ الدكتورُ ناصر الدين الأسد، مع مجموعة من أهل الاختصاص. وقد تألَّقت في الحلقة الشاعرة نبيلة الخطيب في مخالفتها الصريحة للأستاذ الدكتور الأسد، الذي لا يجرؤ أحدٌ من المشاركين على مدى حلقات وحلقات على مخالفته في رأي أو نظر. فللدكتور مهابة وهيبة عزَّ نظيرها فيما التقيتُ من أهل العلم، فضلا عن الكاريزما التي يستطيع باستعمالها سحب أي بساط من تحتِ أيِّ محاورٍ يرتضي حواره.
فالأسد لا يقبل مثلاً أن يلتقي برموز التجديد والحداثة في الأدب العربيِّ، أنفةً منه وتعالياً على مجمل ما يقدمونه من أطروحاتٍ تتنافى جذريَّاً مع تمسُّكه التام بالراسخ من الذوق، والقارِّ من النَّظر. ويرى إلى مغامرات المعرفة والإنشاء الفني بعين الريبة بل والإنكار. فهو بهذا المعنى ديكتاتور أدبيٌّ وعالِمٌ محقِّقٌ خرج إلى غير دائرته ليُنكرَ على الحديث أن يحدثَ، وعلى التجديد أن يتشكَّلَ خارجَ ما ارتضاه الأقدمون. وهو في التنظير يقبل الجديد، لكنه في التطبيق يأنفُ منه، أي أنَّه في مطالعاته للحداثة العربية تستفزُّه حتى التجاربُ التي لاقت دويّاً في أوساطها، كشعر محمود درويش ومدرسته، وخاصة أدونيس الذي لا ينزل له في مريء. كما يستفزُّه العَلمانيون واليسار بالدرجة نفسها التي يُغيظه فيها الإخوان المسلمون والمتصوفة. ومن أجل ذلك كان من المحال أن يستضيف برنامجه الثقافي الوحيد في التلفاز الأردني أياً من رموز هذه الحداثة وأتباعها. ومع ذلك، ومع أنَّ البرنامج لا يمكن أن يستضيف أي علمٍ من أعلام الحداثة العربية في الفكر والإبداع، وهذا في رأيي منهجٌ لا يستقيم معه الحوار، لأنَّ الحوار لا يكون إلا بين مختلفَيْن، فإنَّ الشاعرة الجميلة الطيبة نبيلة الخطيب قد أصرَّت على مخالفة الأستاذ الكبير في جزئية من الحوار الذي كان يدور حول المرأة.
أما النقطة المثيرة التي ذهبَ إليها الأستاذ فهي أنَّ المرأةَ المتزوجة إذا هوى قلبها إلى غير زوجها فعليها أن تطلب الطلاق. ولكن نبيلة ذكَّرته أنَّ القلوب بيد مقلِّبها وبارئها، وأنَّ المشاعر لا حرج عليها ما دامت لم تستتبع سلوكاً يجرح عهد الزواج، وأنَّ كثيراً من النساء يُجبرنَ على أزواجٍ لم تنشأ بينهنَّ وبينهم مودةٌ ورحمة. فاستنكر الأستاذ هذا القول الذي أفادت به الشاعرة عن معرفة واطلاع، وقال إنه في الآلاف من الناس التي (وأنا أؤنث الناس) عرف واختلط بها من (طبقتنا) لم يعرف حالة واحدةً أُجبِرَت فيه امرأة على الزواج!
إلى هنا ما يزال الكلام والنقاش في منطقة المعقول النسبيّ والرأي غير المدعوم ببيِّنة. ولكن ما ليس بمعقول ولا بمقبول أن يقول الأستاذ ، إنَّ تلك الطبقة لا تعرفُ الحبَّ (قال بالحرف الواحد: هذه الطبقة لا تحبُّ). أي أن جميع الحالات التي تعرفها الشاعرة من النساء المُكرَهات على زواجٍ والمتعرِّضات لعواطف الحبِّ خارجه، والقابضات على الزواج كما يقبضن على العفَّة فيه، لا يعرفن الحبَّ، لا لنقصٍ فيهنَّ، بل لأنهن من طبقة أدنى!
فعلاً يا للهول! هل من الممكن أن يذهبَ عالمٌ في اللغة ومحقِّقٌ من طرازٍ رفيع إلى أنَّ الحبَّ (أي أنبل عاطفة إنسانيَّةٍ) حكرٌ على طبقة اجتماعية 
دون أخرى؟.

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد