ربما أمكن قياس التدهور العربيّ خلال القرن العشرين بالتحوّل الذي أصاب صورة الغرب لدى المثقّفين العرب. فمع اختتام القرن المذكور، لم يبق من الغرب في عرف أكثريّة كتّابنا وصنّاع رأينا العامّ إلا أنه مصدر للنهب والاستعمار والتآمر. ولدى الأصوليّين منهم خصوصاً، غدا الغرب مهداً للانحطاط القيميّ والتردّي الأخلاقيّ.
لكن الأمور لم تكن هكذا في مطالع القرن. فقبل عقود على إصدار طه حسين كتابه الشهير "مستقبل الثقافة في مصر" الذي أُخذ عليه انه مانيفستو لتغريب مصر وفصلها عن المحيط العربيّ والإسلاميّ، كان شبلي شميّل اللبنانيّ يقدّم صورة عن الغرب تجعل التقدّم العربيّ مرادفاً لاقتباسها وحذاء حذوها. ففي1896، مثلاً، وجّه شميّل رسالة الى السلطان
عبدالحميد تعتصرها الحسرة على المنطقة وتخلّفها، رادّاً التأخّر الى "فقدان العلم والعدل والحرية في المملكة" العثمانيّة. وعلى الضدّ من موجة التفاؤل والتباهي التي كانت سائدة، تساءل "هل يجوز للإنسان ان يكذب على نفسه الى هذا الحدّ. ألا تعلم أن خزائننا فارغة وجيوشنا عراة وأساطيلنا محطّمة وقلاعنا مهدّمة والعدل مفقود والأمن مسلوب والتعصب المفرّق بين الملل سائد لقلة العلم وانتشار الجهل، وتجارتنا بائرة وصناعتنا… وأين هي… حتى صرنا في الوجود أمّة مستلحقة لا مستقلّة، لا نحسن نسيج ثوب او صنع ابرة". لكنه لا يلبث أن يضيف بشجاعة لا يتجرّأ على مثلها في يومنا هذا إلا قلّة قليلة جدّاً:"ولولا فضل أوروبا علينا لمتنا جوعاً وعرياً".
لقد جهر شميّل بتقليد اوروبا والتسليم بتقدّمها من غير مداورة وتكتّم. هكذا نراه، في1912، يؤيّد سير اليابان والصين، كما مصر، نحو الاقتراب من النموذج الغربيّ، بحيث لا يصدّ "حائل" لا من "الأصول السمويّة" ولا من "العادات القوميّة" عن "اقتباس أسباب الحضارة مما سبقها [سبق الأمة] في ذلك من الأمم".
وفي1912 و1913 طالب شميّل بأمير أوروبيّ على لبنان، أي جبل لبنان يومها، يأتي من خارج الحسابات المحليّة واعتباراتها، على أن هذا الأجنبيّ "سيتجنّس ويصير وطنيّاً ويتمذهب أيضاً بمذهب القوم أنفسهم". وهذا الخلو من العصبية ومن "وطنية الأجداد" التي يمكن، في رأيه، اكتسابها، حمله على الجزم بدور تمدينيّ يمكن أن يوفّره"احتلال راقٍ" كالاحتلال الانكليزيّ لمصر، حيث "لا يُنكَر أن المصريّ اليوم أرقى من سائر العثمانيّين في أحكامه ونظاماته، فهل تظنّ انه بعد خبرة ثلاثين سنة من احتلال راق يؤمن حكمه على نفسه مع انتشار العلم عنده الى درجة صارت الشكوى معها من كثرة المعلمين اذا جازت الشكوى من العلم". فالسياسة الحديثة، عنده، علم يُكتسب ويُتَعلَّم من الغرب، وليست تعبيراً عن عنجهية وكرامة استقلاليّتين مفرغتين من كلّ مضمون.
وفي هذه الحدود نرى شميّل يرسم مبكراً طريقته في مواجهة المشروع الصهيونيّ: ففي مقالة سجاليّة شهيرة كتبها في1914 يقول:"فليس أمامنا حفظاً لكرامتنا وضنّاً بالأرض نفسها إلا أن نناهضهم مناهضة رجال العقل لا رجال الجهل، ونتبارى معهم في الأعمال العمرانيّة". ثم، ومن دون أيّ أثر لأية لاساميّة، يدعو أصحاب "الصيحة في وجه الصهيونيّين"، إلى المنافسة في "تأليف نقابات وجماعات تعاون وما شاكل".
وهذا لا يعني أن شميّل لم ينتقد الغرب، بيد أنه انتقده من موقع تمسّكه بغرب أكثر تقدّماً وتقدّميّة. فلنستمع إليه في1909، مثلاً، يتحدّث عن موضوعة الجنسيّة والتجنّس في سياق سجاليّ:"أسمعتنا أميركا اليوم صوتاً غريباً. لا أريد أن أقول أميركا لئلا أسجّل على هذه القارة الكريمة، بلاد الحرية ومعرفة حقوق الانسان، عاراً يشجبها عليه العقلاء اليوم والعالم أجمع غداً. لأن العالم سائر الى الأمام في معرفة هذه الحقوق فلا يليق بالبلاد التي كانت معلّمة الدنيا، بمثالها الحسن وتعاليمها الحرة، أن تكون سائرة اليوم في هذه التعاليم الى الوراء.
بل اقول إن رجلاً أميركياً أسمعنا اليوم صوتاً غريباً. والرجل ليس أميركا كلها كما أن السوري الذي لا يشرّف بلاده حيث كان ليس سورية كلها.
أسمعنا ريتشارد كامبل القائم على رئاسة مجلس التجنيس الاميركيّ أن السوريّ لا يحقّ له اليوم ان يتجنّس بالجنسيّة الاميركيّة. ولماذا؟ لأن السوريّ من الشعوب الآسيويّة المحظور عليها ذلك بقانون مسنون. ولماذا أيضاً؟ لأن الآسيويين شعوب منحطّة وغير قابلة الارتقاء في شرع واضع هذا القانون. وهذا كقول الآسيويّ يوم كان في أوج مدنيته وكان أهل أوروبا غارقين في الجهل، انه لا يجوز معاملتهم معاملة الأنداد لأنهم برابرة. ومع ذلك فالآسيويّ قد انحطّ والأوروباويّ قد ارتقى. فإن كان كامبل يتكلّم في القرن العشرين كأنه مايزال عائشاً في القرون التي تقدّمته، فليس من العدل ان يقال إن أميركا كلها متقهقرة الى تلك العصور".
ومن تلك المناهَضَة لعلامات العرقيّة حين تهبّ من الغرب، يمضي مشدّداً على كونيّة وإنسانيّة أفكاره:فـ"القرن العشرون ممتاز على سائر القرون الماضية ليس باكتشافاته العلميّة الخطيرة. ليس بمعرفته نواميس الطبيعة ذات المعارف الكبيرة في معايشه قاطبة. ليس باختراعاته التي بلغ بها حدّ المعجزات فربط بها الأقطار بعضها ببعض وجعل العالم كأنه مدينة واحدة. بل بأمر هو في الخطارة في المقام الأول.
القرن العشرون ممتاز حقيقة بتقرير غاية العلم الكبرى. ويراد بالعلم العلم الصحيح أي العلم الطبيعيّ. وهذه الغاية هي اعتبار الانسان أخا الانسان في كلّ المعمورة وأن وطن الانسان الحقيقيّ العالم أجمع. فلا توجد شريعة يجوز لها ان تنكر على الانسان هذه الحقوق الطبيعيّة ويكون القائمون بها من اهل العدالة ولا من اهل الحصافة والرأي(…) ريتشارد كامبل يريد اليوم ان يرجع بنا القهقرى ويؤيد تلك المبادئ الرثّة التي لم يشرع الاجتماع في النهوض الى شيء من الصلاح الا بعد ان اخذ ينقضها(…) هذا القانون - قانون التجنيس الاميركانيّ - سُنّ في عصر - وكلّ شيء نسبيّ - لم تكن مدارك الانسان فيه بالغةً الحدّ الذي وصلت اليه اليوم، فلم يشنْ اميركا في ذاك العهد كما يشينها اليوم(…) في التجنيس يجب ان لا تُراعى الاجناس والاقوام والبلدان والاوطان بل يجب ان تُراعى حالة الافراد الطالبين التجنّس من حيث الصفات الخصوصية التي تؤهّلهم لذلك او لا تؤهّلهم، كلّ بمفرده(…) ان مبادئي الاجتماعيّة - وأتمنّاها لك - تجعلني فوق امثال هذه السخافات فحيثما تطأ رجلاي فهناك وطني. وانما اقول ذلك انتصاراً لحقّ الانسان العامّ في المجتمع البشري".
وإذ أيّد انقلاب 1908 الدستوريّ والإصلاحيّ الذي يستوحي التجارب السياسيّة الغربيّة، نراه يُغني النظر فيه حيث يطعّم تأييده وحماسته للانقلاب، بالنقد التالي:"فثورتنا حتى الآن عسكريّة اقتصر التغيير فيها على صورة الهيئة الحاكمة فلم تغيّر شيئاً من أخلاقنا ولم تتّصل الى علومنا وصناعاتنا وتجارتنا ولم تتغلّب فيها مداركنا على أهوائنا، فما تزال أغراضنا القريبة والبعيدة سدّاً يمنعنا عن اقتباس كل إصلاح مطلوب". وفي1913 دافع شميّل عن اللامركزيّة، وهو آنذاك من أقطاب حزب اللامركزيّة الاداريّة العثمانيّ، فكان مثاله سويسرا التعاقديّة في مقابل نموذج السلطنة.
وهذه مجرّد عيّنات على موقف ثقافيّ عربيّ انقضى قرن عليه، فيما زادت الحاجة كثيراً إليه! لهذا لا بدّ، بين الفينة والأخرى، من استعادة شبلي شميّل وأمثاله الذين ينقرضون.

 

حازم صاغية


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  حازم صاغية   العلوم الاجتماعية   الآداب