تتمتّع الكرامة، كلمةً ومفهوماً، بسحر آسر في ثقافتنا الشفويّ منها والمكتوب. فأهل الكرامة، وهم "الشرفاء" و"أشرف الناس"، هم الذين لا يرتضون للأمّة والشعب أن يذلاّ أو أن يُحتلاّ. وفي لبنان، مثلاً لا حصراً، تقتضي الكرامة تلك إبقاء السلاح جاهزاً والإصبع على الزناد، لا بسبب أرض محتلّة وإنّما بسبب ارض قد تُحتلّ. أي ان تواصلنا مع كرامتنا يستدعي منّا عملاً استباقيّاً دائماً، ننهض إليه ونفي بمستلزماته كي لا نصل إلى يوم تُمرّغ فيه كراماتنا. وهذا، من حيث المبدأ، ما لا يختلف عن مطالبة اللبنانيّين بمنح الأولويّة في حياتهم لمكافحة الزلازل، وإلاّ كانوا منفّذين لأوامرها يهيّئون لها السبيل كي تفتك بهم. أمّا ان يكون الزلزال احتمالاً واقعيّاً فهذا، في عرف أهل الكرامة، ما تؤكّده تجارب عدّة تعود بداياتها المعروفة إلى انهيار مدرسة بيروت الرومانيّة.
قصارى القول إن نهوضنا لما تمليه عليه كرامتنا يتطلّب استباق الهجوم الذي قد تتعرّض له. وما دام العالم لا ينضح إلاّ بالذئاب، غدا الاستباق شغلنا الشاغل. وهو همّ يضاعف إلحاحَه شعورٌ داخليّ ينكره أهل الكرامة مفاده أن الكرامة تلك لا تحتمل هزيمة أو حتّى تجربة احتكاك بخارجها. فهي، بحساسيّتها الجريح، أو القابلة للانجراح دوماً وأبداً، هشّة وذات غشاء رقيق.
لكن المدهش ان الكرامة تلك لا تفعل فعلها الاّ في السياسة او ما اتّصل بها، تماماً كما أن المناقشة السياسيّة هي وحدها التي تثير غضب المتناقشين وتتداخل مع كراماتهم. بل قد تتحوّل مناقشة كتلك مشاجرةً بالأيدي أو بالرصاص وقطيعة لا عودة عنها، بينما لا يقود إلى مثل ذلك خلاف في الألوان أو في المناخات أو في الأطعمة أو في تفضيل البحر على الجبل او الجبل على البحر.
ولقائل ان يقول إن هذا التساوي بين الكرامة والسياسة مردّه الى تأثير الثانية على حياتنا برمّتها، بل على وجودنا الفيزيائيّ نفسه. غير أن الحجّة تلك تجد عشرات الأمثلة التي تدحضها أو تخفّف من وقعها. فالكرامة لا تُستثار، مثلاً، حين يتوجّه عشرات الألوف من أبنائنا للعمل في الخارج بينما يبتلع البحر بعضهم "غير الشرعيّ" من راكبي الزوارق. وهي لا تُستثار حين يقصد آلاف شبّاننا وشابّاتنا عواصم الغرب، الذي يهدر كرامتنا!، طلباً لعلم لا يتوافر في بلداننا، أو حين نستنجد بتلك العواصم كلّما أردنا بناء سكّة حديد أو جامعة او مستشفى. بل تعزف الكرامة إيّاها عن الغضب والهيجان حيال المبادلات بين عشرات منّا، وأحياناً مئات، وبين جنديّ واحد إسرائيليّ، واحياناً جثّة واحدة لإسرائيليّ! والحال أن مبادلات كهذه غالباً ما يعدّها أهل الكرامة انتصارات.
أغرب ما في الأمر أن أشدّنا تحسّساً بالكرامة ذات المصدر السياسيّ، أقلّنا تحسّساً بها في الحقول الأخرى التي ليست أدنى اتّصالاً بشروط البقاء الكريم، كأنْ تكون نسب الأميّة فلكيّة، ووضع النساء مزرياً إلى درجة لا تُطاق.
وهو، على العموم، مما يوحي بأن ما يلتصق بنا، بنفوسنا وصورتنا عن تلك النفوس، كرامة من طبيعة حربيّة فحسب. ذاك أن التغلّب والانغلاب هما وحدهما ما يُكسبان الكرامة، في عرفنا، معناها. فهي ماتزال امتداداً للعصبيّة على ما تشير "حِكَم" وأبيات شعر وأمثلة لا حصر لها في تاريخنا الثقافيّ، من "هيهات منّا الذلّة" إلى "لنا الصدر دون العالمين أو القبر". وطبعاً فالـ"نا" في العبارتين لا ترمزان الى شعب وأمّة إذ هذان مصطلحان حديثان ظهرا بعد قرون على العبارتين وما يماثلهما في مخزوننا. والراهن أن هذه الأخيرة لا تفعل سوى تكرار الـ "نحن" التي طغت على معلّقة عمرو بن كلثوم وكان معناها قبيلته، قبيلة تغلب. هكذا كنّا وهكذا، إلى إشعار آخر، نبقى.
حازم صاغية
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة حازم صاغية العلوم الاجتماعية الآداب