لا يبدو أنَّ الأردن سيصل في القريب العاجل إلى أن يكون من المجتمعات التي برهنت على نضوجها الحضاري بعدد من التخصصات التي تشي بتذوُّقٍ حقيقيٍّ للجمال. فما نزال بعيدين بُعدَنا عن القمر أن نصنعَ نجمةً أو نجماً في الموسيقى، يضاهيان في الألقِ والرسوخِ والانتشار ما لدى الشعوب الأخرى المجاورة. ولا أعلم – وربَّما التقصيرُ مني – أنَّ لدينا ناقدةً أو ناقداً واحداً فعَّالاً للموسيقى، الكلاسيكية والشعبية منها، أكانت عربيَّةً شرقيَّة أم غربيَّة. بل لطالما صعدت مواهبُ كالنَّبتة في الصَّخر، ثمَّ ما لبثت أن ذوت من كثرة الإهمال والتنكُّر بل والجهل.
ويبدو أنَّ حالنا في هذا يمضي من سيِّئٍ إلى أسوأ، بسببِ ثُلاثيَّة الغفلة التي لدينا: غفلة الحكومة ممثلَّةً بوزارة الثقافة وأمانة عمان وبقية البلديات ووزارة التربية والجامعات، ولدينا غفلة أغنياء البلد والقطاع الخاص من شركاتٍ وبنوك تغتني من مالنا ثمَّ تُدير ظهرها لنا، وغفلة المنظَّمات المدنيَّة، التي هي المعبِّرةُ الأولى عن هواجسِ الناس ورؤاها الحقيقيَّة.
وإذا كنا فَرِحنا أنَّ لدينا معهداً وطنياً للموسيقى قامَ بمبادرةٍ من واحدةٍ من منظمات المجتمع المدني؛ وأعني مؤسَّسة نور الحسين، فإنَّ لدينا الكثيرَ من الأمنيات والمطالبات لهذه الجهة ولسواها أن تُظهِرَ اعتناءً بالنَّقد الموسيقي المتخصِّص، لا الهاوي ولا الانطباعي، وبالتذوُّق الموسيقي الذي يعلو بالذائقة عن السَّائر الشائع من فُتاتِ النَّغمِ المتمرِّغِ في أسفلِ الأشياء.
إننا بحاجة إلى الجمال كحاجتِنا إلى رغيفِ خبزٍ نظيفٍ من الهرمونات والأسمدة الكيماوية.. بحاجة إلى أن نأخذَ أنفسنا باتجاهِ حقولٍ ترتقي بنا نحو ملكوتِ الموسيقى التي تملأ القلبَ بالنور، والعقلَ بالحريَّة، والروحَ بالخلاص. وليس لدينا من خياراتٍ كثيرة.. فإما أن نظلَّ في بؤراتِ التشنُّجِ والعنف والتكالب في القبحِ، طائفياً أو إقليمياً أو ذكورياً.. أي في منطقة الفقر الروحيِّ وانسدادِ البصيرة، وإمَّا أن ننحرفَ عن مسارنا الشائكِ هذا نحو ما تسمحُ به الفنونُ من غِنىً واكتنازٍ بالمعنى.
إنَّ عدم ظهورِ ناقداتٍ ونقادٍ للموسيقى يعني – فيما يعنيه - أننا ما نزال متَّكئين موسيقياً على حفائنا الجماليّ، وإبداعياً على فَلسنا. وبالرغمِ من أنَّ لدينا أسماء مهمة في الأصوات والتأليف الموسيقيّ والعزف، إلا أنَّ غيابَ هذا التخصُّصَ المهمَّ يبدو نذير شؤمٍ على هؤلاء، لأنَّه يحرمها – الأسماء – من تقويمِ تجاربها في ضوءٍ إصغاءٍ عليمٍ، كما يحرمها من أن تنتشر وتشيعَ داخل الأردن وخارجه. فالفنُّ لا يطير عالياً إلا بجناحين: الإبداع ونقده.
المراجع
alghad
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد