عندما نقول بتفاهة المعارضة العربيّة لأنظمتها الأشد تفاهة، لا نكون نخترع مفهوماً غيبياً يفتئث على حقيقتها الواقعيّة. فناهيك عن الاستراتيجيّات الذّكيّة الغائبة، والأُميّة الفكريّة التي تشتطّ في إسباغ الأوصاف العميقة والباهرة على ظاهرات بدائيّة وضعيفة من النّضال تفتقر إلى عناصر البقاء والتّأثير الفعليّ! فإنَّه –لربّما– ليس من المبكّر القول بصورة اليأس التي تتصدّر المشهد؛ وهي صورة تشي بغير قليل من الأسى لما آل إليه "النّضال" الذي يرى أنّ المعركة ينبغي أن تحتدم –بعد إزاحة الرئيس– باتجاه المرأة والفنّ والتّصوّف (الذي هو تناول لطيف ونورانيّ للتديّن).

 

فمع تحرّجنا من إعادة القول فيما طفح به إناء "الثوّار الأشاوس" هنا وهناك (تونس ومصر وليبيا واليمن، وعلى الطريق سورية) من أولويّات مثيرة لمختلف أشكال الرّيَب (تعدد الزوجات، فرض الحجاب بالقوة، منع الاختلاط بالعنف، تدمير محلات لبيعها الخمور، تدمير أضرحة لأولياء... إلخ)، إلا أنّه من الواجب التّذكير، وبالتّفصيل المملّ، بما تتضمّنه أجندة بعض هذه المعارضات من برامج ليست هي طريقها إلى السّيطرة على الحكم فحسب، بل على حيوات البشر وعقولها وتطلّعات أرواحها. ذلك أنّ الشّعوب العربيّة الآن يغلي فيها بركان سلفيّ هائل لا يستطيع، بالمعطيات الراهنة، أن يقف في وجهه لا يسار ولا علمانيّة (حتى لو أعادت هذه الأخيرة ولادة نفسها على سجادة الصلاة وطلع لها من التعبّد زبيبة سمراء)! وهو بركان ينفجر في هذه البؤرة أو تلك، بحسب تهتّك قماشة المجتمع، ويُسيلُ حممه المُهلكة على كل ما هو إنجاز حضاريّ جميل، لا يميّز ولا يتعقّل! وقد بلغ من قسوته أضعاف أضعاف ما لقي في حياته السريّة من عنت الأنظمة وفجورها!

 

وإذا كانت الأوطان قد شهدت "تجريفاً" بشعاً للثّروات مع الكرامة الإنسانيّة، فإنّ المعارَضات العربيّة في حجمها الثّقيل العريض، لا "الإيليت" أو الصّفوة، تنطوي على أسلحة دمار شامل حقيقي للمنجز البشريّ وحريّة الإنسان وكرامة العقل؛ وإلا فكيف نستطيع تفسير السّرعة العجيبة في الانقضاض على النساء والفنّ والتّصوّف، في رسالة واضحة لترتيب الأولويات؟

 

وهل من آليات ناجعة لإيقاف هذا السّيل العرمرم، الذي يبدأ بقطرة هنا وزخّة هناك، والذي حصاده، كما نرى، فتنة واحتراب؟ وما هي السّبل حقاً لحماية الحريّات والاختلاف في وجه تيار تلبّس العتمة والتّكفير، وحمل سلاح الدين يتهدّد به الأرواح والحضارة؟

 

الحوادث التي تتتابع وعلى المكشوف، ومنها أن تتبنّى الفضائيات المتأسلمة مصادرة كلّ حقّ في التّفكير والإبداع وتجديد الحياة والمعاني، وإلا فتحريضٌ على الفتك يبدأ بتوجيه شتائم مقذعة من أهبط عيار، وصفها أساتذة فقه وتشريع بأنها "قذف للمحصنات" (مثلما جرى من عدوان على شرف فنانة شهيرة كإلهام شاهين)، أو توجيه السّلاح الفعليّ في الشّارع إلى من "خالف الشّرع" (بحجّة العمل بمبدأ "النّهي عن المنكر"!)، أو تدمير مقامات الأولياء (لمخالفتها "صحيح الإسلام"!)، ليست هذه الحوادث سوى عنوان صريحٍ لمرحلة ما بعد "الثورة"! وهو أنّ الآتي أعظم!

 

هل من الممكن أن لا نفقد الأمل؟؟

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد