السياسة الأميركيّة اليوم في أسوأ حالاتها. تكفي مطالعة سريعة للصحف أو متابعة كسولة للتلفزيون لإدراك ذلك. هزائم في جورجيا ولبنان، وبنسبة أضعف في أوكرانيا. غرق في "مستنقعي" العراق وأفغانستان، وربّما باكستان غداً. آفاق ملبّدة مع إيران، ولكنْ أيضاً مع فنزويلاّ وبوليفيا. انتكاسة محتملة في كوريا الشماليّة...
والاقتصاد الأميركيّ في حال سيّئة جدّاً، وبسببه كادت تنفرط منظومة الاقتصاد العالميّ كذلك. إدارة جورج دبليو بوش اضطرّت، على عكس فلسفتها النيو-ليبراليّة، أن تقيل "أمريكان انترناشونال غروب" من عثاره بـ85 بليون دولار، قبل أن تهبّ البنوك المركزيّة العالميّة، ثم الحكومة الفيدراليّة الأميركيّة نفسها، لدفع الأسواق المضطربة الى الاستقرار. مع هذا، مايزال من المبكر الجزم بالتوصّل الى نجاح قاطع.
وإذا ما جاز للمآسي أن تتشخّص في شخص بعينه، لن يكون الرمز غير الرئيس بوش إيّاه. فهو، إذ يتهيّأ لمغادرة البيت الأبيض، يودع في التاريخ صفحة بائسة وسوداء. لقد ثبت أنه لا السحر ولا القوّة في وسعهما استخراج النجاح من أشداق البله...
مع هذا، فإن الذين يريدون أن يجروا حواراً وطنيّاً في بلدهم، على ما هي حال اللبنانيّين، ينتظرون انتخابات الرئاسة الأميركيّة، ومن يريدون إجراء مفاوضات سلام، على ما هي حال السوريّين والإسرائيليّين، ينتظرون الانتخابات إيّاها، ومن يريدون ان يتّخذوا قرارات كبرى في طول الكرة الأرضيّة وعرضها، ينتظرون، بدورهم، تلك الانتخابات. فكأن المعاني لا تصير معاني إلاّ حين تصادق الولايات المتّحدة الأميركيّة عليها!
وهذا التباين مصدره أن أميركا لا تُلخّص ببوش، وأن ضعف بوش المعلن شيء وقوّة أميركا الخفيّة شيء آخر. فكأنّ خصوم أميركا أطفال يشاغبون كي يلفتوا نظر الأب القاسي أو القليل الانتباه اليهم والاكتراث بهم... ويصعب السير وراء أطفال مشاغبين كما يصعب احترام السياسة حين تقتصر على محاولة صاخبة وضاجّة للفت النظر الى صاحبها المهمَل والمركون جانباً.
والمفارقة هذه تفسّر أموراً كثيرة آخرها انبعاث التشكيك العربيّ والإسلاميّ، مع مناسبة الذكرى السابعة لـ11 أيلول (سبتمبر) قبل أيّام، بأن تكون "القاعدة" هي التي نفّذت الجريمة في سماء نيويورك وواشنطن.
وهو إنكار بعضه يستند الى "مصادر" عالميّة هي كناية عن تقوّلات تآمريّة، وبعضها لا يستند الى شيء بالمرّة سوى "الخبث" الأميركيّ، المطعّم أحياناً بـ"الخبث" اليهوديّ. وبعضهم يقول إن أميركا هي التي فعلتها، وبعضهم يقول إن اليهود من فعلها، والبعض الثالث ينكر حصولها جملةً وتفصيلا.
والحال ان مصادر هذا الإنكار، غير البريء إلاّ لماماً، كثيرة متعدّدة سبق أن تناولها أكثر من دارس وشارح ومعلّق. بيد أن أحد المصادر يكمن تحديداً في تباين الضعف البوشيّ الصريح والقوّة الأميركيّة الخفيّة. فارتفاع بورصة التشكيك بعد تراجع أسهمها ما بين 2002 و2007، يتّصل، في أغلب الظنّ، باتّضاح الضعف البوشيّ حتّى لو اتّخذ شكل استخدام أعتى الأسلحة الحربيّة وأعقدها، على ما نرى في العراق وأفغانستان. غير أنّه، في المقابل، يتّصل أيضاً بإدراك أن أميركا قويّة جدّاً حتّى حين يتراءى أنها على وشك الانخراط في حرب باردة جديدة. هكذا تغدو للتشكيك بـ11 أيلول ولتبرئة "القاعدة" في صورة أو أخرى، وظيفة مفادها تحصين الذات الشكّاكة حيال خوفها العميق. وهذا ما لا يجمعه جامع بالسياسة أو بالتحليل أو بخدمة المصالح الذاتيّة، ناهيك عن احترام العقل.
وتتمّة هذا التعاطي مع أميركا ومع جريمة 2001 طريقة التعامل السائدة مع الانتخابات الأميركية. فمن يتابع التغطية العربيّة لها يتراءى له أن الموضوع العربيّ هو وحده ما تدور حوله منافسة "الديمقراطيّ" باراك أوباما و"الجمهوريّ" جون ماكين. وهذا التمركز حول الذات هو الآخر متعدّد المصادر. إلاّ أنه يحاول، بين ما يحاوله، ان يردّ على قوّة أميركا: فهي، في آخر المطاف، لا تفكّر إلاّ بنا، أي أننا نحن وحدنا الأقوياء!
يُستحسن حقّاً أن نتصالح مع العالم كما هو العالم، إن لم يكن حرصاً على دقّة النظر فمنعاً لإمعاننا في خداع أنفسنا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حازم صاغية