عبر ثلاث حروب كبرى فَقَد بيت جدّي لأمّي ما كان لديه من أطيانٍ ومالٍ، وهوى الحال به من أعلى الطّبقة الوسطى إلى أدناها. وهكذا ورث خالي الدمشقيّ السّترَ، منحنياً على كتاب الأسرار والطواسين والمسامع وترجمان الأشواقِ والفتوحات، ليعلّم ابنتيه وابنيه
– بشقّ النّفس- تعليماً جامعيّاً، نهض بالأسرة، قرشاً فوق قرش، حتى صار لنسله بيوتٌ متواضعة، وأُسر وأبناء وبنات. وبذا صعد بيت خالي الدمشقيّ من قاع الطّبقة المتوسطة إلى وسطها، بحسن التّدبير الشّاميّ الذي أعانته عليه زوجة من أعرق أُسر حيّ الميدان، كانت شهدت عزاً قديماً، ثمّ جهاداً حقيقيّاً للنّهوض من عثرات الزّمان.
وبعدئذٍ، ومن بعدُ، جاءت "الثّورة السوريّة" التي تطوّرت من حراك شعبيّ سلميّ إلى حرب أهليّة رمى إليها الحطبَ كلّ من طالت يده من الجوار والإقليم والمجتمع الدّوليّ والجبروت العالميّ المهيمن. وارتطم حابلٌ بنابل، وعلقت الحرب في الأطراف إلى أن دخلت إلى المدن الرئيسة. وها هي تأكل أخضر الحياة قبل يابسها، ماسحة عن وجه الكرة الأرضية أفواجاً أفواجاً من البشر، وطاردةً من معنى الوطن ومن معنى الحياة أُسراً بكاملها إلى خارج حدود سورية، وخارج حدود كرامة الإنسان.
واحترقت بيوت خالي وأبنائه وبناته، بعد أن نُهِبت عن آخرها حتماً. وهكذا عادت السّيرة اللئيمة التي للحروب تكتب نفسَها في سِفْر بيت خالي الدمشقيّ من جديد، مبتدئاً من الصّفر أو من تحته. وهذه المرّة كما ولدتْهُ الأمّ؛ مزلّطاً من الأشياء والعمل وتوازن البدن والأمنيات، كما عبّر عن الحالة ابن خالي أحمد وهو ينظر بذهول إلى رماد بيته الذي كان عامراً بأصص الزّرع والطّيور بأنواعها بما فيها الحمائم التي ليس لها من ذنب في حرب أو سِلمٍ. ودون أن يبكي رمى خلف قلبه الصّوفيّ تعلُّقَهُ بالصّورة التي تداعت، وعاد إلى روتينه المعتاد حتى لا تنكفئ على حزنها أمّه التي أعلنت أنّها سلّمت أمرها لله. أما سُلافة فلم يتركوا لها من متاع غير الكتب، في غارة ثانية، سبقتها أولى قضت على المصاغ والحواسيب. ففداءً لطفلتيها في التّهجير القسريّ، وفداءً لساعة التقاء عائليّ على كوب شاي في بيت الأخ الصّامد.
عندما اتّصلتُ لأواسي وجدتُني أنا التي بكت؛ فبيتُ خالي الدّمشقيّ الذي بُنِيَ بالمحبّة والقِلّة والتّدبير الشّاميّ والكبرياء انهارَ فوق حطام وطن يترجّحُ بين غول القادم وتنّين الحاضر المفترس الذي لم يعد يميّز ولا يعتريه تردّد.
هذه هي سورية الآن.. بيتٌ ينهار فوق من بقي من ساكنيه، وتسيحُ من نفَقِه المظلم على الجوار دماؤه، في مفصلٍ تاريخيّ لا أراه يعدُ بغير المجهول...
محميّةٌ يا سورية يا عظيمةً ويا شعاعاً ويا جمالاً ويا حضارةً.
وأنتَ أيّها الأملُ إياك إياك أن تتخلّى...
المراجع
alghad
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد