حين سيّر مقتدى الصدر وتيّاره المظاهرات المناهضة للاتفاقيّة العراقيّة – الأميركيّة المقترحة، كانت الشعارات تبدأ كلّها بكلمة "لا" الجازمة القاطعة. لا لأميركا ولا للمعاهدة ولا للتبعيّة ولا للإخضاع... الى ما هنالك من لاءات. لكننا لم نسمع من المتظاهرين "نعم" واحدة. فنحن بتنا نعرف (كم نعرف!) ما الذي لا يريدونه، إلا اننا لا نعرف بالضبط ما الذي يريدونه.
وهاتان السلبيّة والضديّة من السمات الملازمة دوماً للأفكار الراديكاليّة، من أكثرها تماسكاً ورصانة كالماركسيّة إلى عموم التيّارات الشعبويّة الهائجة على امتداد المعمورة.
فكارل ماركس صرف جلّ حياته في تحليل الرأسماليّة وتفنيد تناقضاتها الآيلة بها، كما رأى، الى الزوال. وللغرض هذا كتب آلاف الصفحات التي تزخر بالسمين كما بالغثّ. بيد ان الاشتراكيّة التي اعتبرها ماركس النقيض التاريخيّ للرأسماليّة، ومن ثمّ بديلها، لم تستدع منه إلاّ فقرات وعبارات مبعثرة لا تشكّل، إذا ما جُمعت، أكثر من كرّاس.
وسلوك فكريّ، أو سياسيّ، كهذا، يهدّد بترك الواقع الذي هو قيد التناول في مهبّ التجارب والاحتمالات، بل في مهبّ الاستبداد والعشوائيّة الناجمين عن فقدان المعايير التأسيسيّة الملزمة.
غير أننا في الشرق الأوسط العربيّ، وفي العراق تحديداً، مدعوّون أكثر من سوانا الى بلورة البدائل المستقبليّة قبل المبادرة في الفعل. ذاك ان الحاضر بائس الى الحدّ الذي لا تُحتمل معه التجارب، فكيف وأن تاريخنا الحديث زوّدنا الكثير من الصيغ التي نجمت عن تدمير الماضي من دون امتلاك أيّ تصوّر للمستقبل.
لقد حدث هذا في انقلاب 14 تموز (يوليو) 1958 الذي أسقط "الملكيّة الرجعيّة". لكن الجمهوريّة التي أُنشئت على عجل أطلقت صراعات دمويّة بين القوميّين العرب والشيوعيّين، وبين الأكراد والتركمان، وبين العرب والأكراد. وفيما دُمّرت الأنصبة السياسيّة والدستوريّة التي أقامها العهد الملكيّ، وُضع العراق تحت رحمة الضبّاط وطموحاتهم وانقلاباتهم العسكريّة المتتالية.
ثم حدث هذا في 8 شباط (فبراير) 1963 حيث تولّى انقلاب بعثيّ سحق "الزمرة القاسميّة" و "الشعوبيّة". لكنّ الدم سطع في العراق فقُمع الشيوعيّون بوحشيّة وانفجرت الثورة المسلّحة الكرديّة على نطاق أوسع بكثير من ذي قبل. وفي النهاية صفّى الانقلابيّون بعضهم البعض بعد أقلّ من عشرة أشهر على وصولهم إلى سدّة الحكم.
وبعد خمس سنوات عاد البعث، كيفما اتّفق، الى السلطة، فابتدأت المأساة بالتخلّص من شركاء الانقلاب (النايف والداوود)، وما لبث ان أُرسي نظام توتاليتاريّ مميّز في وحشيّته التي فاضت عن العراقيّين، بسائر طوائفهم وأديانهم وإثنيّاتهم، الى جيرانهم الإيرانيّين والكويتيّين.
بيد ان التجارب السابقة، ومعظمها من صنع العسكر، أمكنها ان تُبقي على العراق موحّداً، ولو شكليّاً وبالعنف والزجر والقسوة. وهذا ما لا يتوافر اليوم للقوى الراديكاليّة، من كلّ نوع، التي تسعى الى إطاحة الوضع القائم لصالح وضع غامض. فالدور الذي كانت تلعبه المؤسّسة العسكريّة، وهي قوّة موحّدة، غدت تلعبه قوى مرتبطة بطوائف وجماعات أهليّة معيّنة. وهذا ناهيك عن تعاظم دور الدول المجاورة للعراق، المستفيدة من ضعفه والمعوّلة على روابط خاصّة تربطها بعراقيّين يشاركونها الدين والمذهب. ومعنى ذلك ان كل قوّة يحرزها أيّ من هذه الأطراف تقصّر الطريق إلى الحرب الأهليّة المفتوحة والمصحوبة، حكماً، بتمدّد النفوذ الأجنبيّ على حساب العراق.
يقال هذا الكلام وفي البال أن "الانقلاب" على المعاهدة يمكن أن يفضي، لا بل يُرجّح أن يفضي، الى انسحاب أميركيّ من بلاد الرافدين. وهو احتمال إذا مع تصاحب مع فوز باراك أوباما شبه المؤكّد برئاسة الولايات المتّحدة، غدا أقرب إلى تحصيل الحاصل. والله أعلم باليوم التالي وكيف سيكون.
وهذا ما يفترض أن يكون سبباً لخوف جديّ من الجميع. لكنّ الحال، للأسف، ليست هكذا. فالغضب هو سيّد الموقف. أمّا العقل والحساب والمقارنة ففي مكان آخر.
حازم صاغية
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة حازم صاغية العلوم الاجتماعية الآداب