يبدو الوطن -كمفهوم- غائباً تماماً في التّربية الإخوانيّة، إذ يتوهّم القادة والمنظّرون بينهم أنّ في الأمر تعارضاً بين فكرة الوطن وفكرة الإسلام! ولذلك تمحو التراتبيّة الحزبية وأدبيّات الحزب وممارساته الداخليّة كلّ انتماء إلا الانتماء إلى الحزب وتفسيره المحنّط للدين، ظناً، بل إصراراً أعمى على أنّ هذا التفسير وحده من بين سائر التفاسير هو الإسلام! ولذا تتدرّبُ الكوادر لديهم على الصراخ والتّرهيب وتصوير المخالفين زائغين من الدين، ضاربين بحجارة التكفير أولئك القائلين بالفنون والقوميات والأوطان! فالوطن لدى الإخوان يكمن في البيعة على السمع والطاعة، والتحلّل من أيّ انتماء إلى أرض أو وطن.. ولذا تخلو مناهج التّربية الحزبيّة من أيّ إشارة إلى معاني الوطنيّة ومعاني الشّرف المتّصلة بها، حتى لا تُنافسَ هذه المفاهيم الحديثة التوجّه التأصيليّ الأصوليّ للمَتْحِ من بئر الماضي، ووضعه التاريخيّ البدائيّ. فبحسبهم، لم يكن زمنَ الرسول والخلفاء الراشدين وطن يدافعون عنه، بل معنى إلهيّ هو الإسلام! وهذا بحدّ ذاته تعسّف في المنهج، وقصور عقليّ عن إدراك السماء الشاسعة التي أطلقها الإسلام في نصوصه لتُظِلَّ من سيأتي من شعوب وأمم في زمان غير زمانه الأول!
وتتهيّج شهيّة الإخوان المسلمين، ومن ماثلهم في الدرجات الغالية من التشدّد من أهل السّلفيّة وفئات التّكفير، نحو شتم القوميّة، فكرةً ومنهجاً، وما يتّصل بها من خطاب ومعانٍ كالخطاب الوطنيّ الذي يتحدّث عن أوطان تُفدى بالأرواح؛ فبمجرّد القول بأنّ "المناضلين" في مواجهة العدو يموتون "فداءً" للوطن، تكون آلة التكفير جاهزة لدمغ هذا المعنى بـ"الشّرك"، إذ أنّ "النّضال" ينبغي أن يكون "جهاداً"، و"الموت في سبيل الوطن" ينبغي أن يكون "في سبيل الله"!
وإذا ما كان كلّ امرئ وامرأة حُرَّيْن في اختيار مفاهيم حياتهما، واستصلاح المعاني المناسبة لها، إلا أنّ الحياة المعاصرة التي آلت إليها البشرية وشعوب الأرض، ومنها الشّعوب العربيّة، والتطوّر التاريخيّ للأوطان، يجعلان من المستحيل هضم هذا المنهج القائم على عداء عميق لمفهوم "الوطن"، ومن ثمّ صهر أصحابه في المجتمعات الحديثة، وتسليم مقادير الأوطان إلى حكم يُناصب العداء لمقومات هذه المجتمعات.
وقد يُقال: لقد سمعنا فلاناً وفلاناً من قادتهم ينفون هذا الظنّ السيّئ بهم، وأنّ خطابهم العلنيّ يخلو من هذه التهمة! فنذكّرُ أنّ لقادة الإخوان –على عكسِ زملائهم في الإسلام السياسيّ والتكفيريّ- ظاهرا وباطنا؛ فقد علّمتهم تجارب الاضطهاد وشهوة الحكم، أن يُبطنوا لأنفسهم خطاباً، ويُعلنوا على الملأ عكسه، مما يُملّحُ لُقمَتهم لدى شرائح المجتمع المتحدّثة بالديمقراطيّة، والتائقة إلى تأصيلها في أوطانهم. ولذا امتلأ خطابُهم في معارك الانتخابات، هنا وهناك، بمفردات "قاموس الليبراليين والعلمانيين"، مغلّفين مرادهم الحقيقيّ بعدد من الأقنعة، افتُضح أمرها في العام الذي حكموا فيه الشقيقة مصر!
إنّ الخلاف العقائديّ الذي يُبعد الإسلام السياسيّ عن سائر الشّعوب العربيّة، لهو خلافٌ جوهريٌّ، لا على تفسير الإسلام فحسب، بل على جميع الروابط التي تضمّ الشّعب الواحد، وتلضمُ سَداهُ إلى لُحمتِه! وأغرب ما في الأمر أنّهم يركبون مركب "الوطن" و"الوطنية" حين يريدون بلوغ سلطة تمكّنهم من "ركوب" الشعب، وسَوْقِه نحو تفسير مستبدّ للدين، قائم على النّفي والإقصاءِ، بل على القتل والنكبات!
حاولوا أن لا تفقدوا الأمل!!!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد