بين ليلة وضحاها سمعنا بـ"طالبان نيجيريا"، لا دلالةً على علاقة تنظيميّة بـ"طالبان" الأفغانيّة أو بـ"القاعدة" العربيّة، بل تعبيراً عن تأثّر بذلك النموذج الموحي والمعدي. وبين ليلة وضحاها، كذلك، سقط مئات القتلى (قدّرتهم الحكومة النيجيريّة بـ600 قتيل) ووجد الآلاف أنفسهم يفرّون من مناطق القتال في الشمال، قاصدين مناطق أخرى، علماً أن القتال الذي كلّف هذه الأرقام اقتصر على أيّام أربعة.
هذه الجريمة الجديدة التي امتدّ مسرحها على أربع ولايات في شمال نيجيريا، من المسؤول، أو بالأحرى المسؤولون، عنها؟
نزعم أن المسؤول الأوّل هو عجز نيجيريا عن التحوّل إلى دولة – أمّة بفعل الانقسام النصفيّ بين المسلمين في الشمال والمسيحيّين في الجنوب، فضلاً عن التفتّت الإثنيّ والقبليّ الهائل. هكذا لم يتحوّل أحد أكبر بلدان أفريقيا (150 مليون نسمة) إلى وطن. وهذا ما يمكن رصده منذ استقلال نيجيريا مطالع الستينات متّخذاً شكل الانقلابات العسكريّة المتوالية والحروب المعلنة التي كان أبرزها حرب انفصال بيافرا أواسط الستينات. والعجز هذا هو ما أوجد فراغات سلطة أريد ملؤها راديكاليّاً على يد طرف وافد كليّاً من خارج الحياة السياسيّة.
أمّا المسؤول الثاني، وهو وثيق الصلة بالأوّل، فذاك الفساد المستشري والنابع، إلى حدّ بعيد، عن عدم بلورة تقاليد سياسيّة (وكيف يصار إلى مثل هذه البلورة في ظلّ الانقلابات والنزاعات الأهليّة الناجمة عن فقدان الإجماعات الوطنيّة؟). وحين نتذكّر أن نيجيريا النفطيّة من أغنى بلدان القارّة السوداء، إن لم تكن الأغنى، تغدو التناقضات صارخة ومستفزّة. فإذا صحّ أن محمّد يوسف، زعيم "طالبان نيجيريا"، من عائلة ثريّة أمّنت له تعليماً غربيّاً (وامتلاك سيّارة مرسيديس)، وإذا صحّ أن بعض المحيطين به كانوا من عليّة القوم، يبقى أن العناصر العاديّين ممن استقطبتهم الحركة شبّان فقراء وعاطلون عن العمل بمن فيهم خريجو جامعات مُفقرون. وهذا ما لا يملك إلاّ أن يذكّرنا بتنظيم "القاعدة" في أحد وجوهه.
وبدوره فالمسؤول الثالث هو ما يمكن تسميته البُعد الثقافيّ. فـ"طالبان نيجيريا" الذين ولدوا في 2004 حملوا (أو أُطلق عليهم) إسم "بوكو حرام"، والمعنى الحَرفيّ للإسم هذا هو: "الثقافة الغربيّة خطيئة". أمّا البديل الذي تشدّدوا في طلبه فتطبيق الشريعة الإسلاميّة بحذافيرها. وعلى ما يبدو فإن محمّد يوسف الذي اقترن بأربع زوجات (وانجب 12 ولداً) كان أميناً لهذه القناعات. وغنيّ عن القول إنّ المسألة الثقافيّة التي يتعاطى الكثيرون بخفّة معها، فيشاركون في هجاء الغرب وثقافته مسايرةً لـ"الجماهير" أو جبناً حيال مصارحة أنفسهم، قادرة على التحوّل، في أيّة لحظة، سكّيناً يفتك بالمجتمع... وفي عداده المسايرون والمتزلّفون. وهل هي صدفة أن جميع القوى الإسلاميّة التي ماشت "الغرب" في السياسة مارست التحفّظ على الغرب، إن لم يكن العداء له، في الثقافة والقيم. بهذا كانت تلك القوى، وما تزال، تعبّد الطريق لـ"طالبان" هنا ولـ"قاعدة" هناك.
لقد قُتل محمّد يوسف، إلاّ أن الاستقرار لنيجيريا، وللعام الإسلاميّ، لن يتحقّق قبل أن تُقتل أفكار كثيرة وسلوكات أكثر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حسن احمد الشوبكي