جاءت الأرقام الرسميّة التي أُعلنت مؤخّراً، في واشنطن وبرلين، لتثير تفاؤلاً ملحوظاً في صدد بداية النهاية لأزمة الركود الإقتصاديّ. فالولايات المتّحدة لم تخسر، في تمّوز (يوليو) الماضي، سوى 247 ألف فرصة عمل، أي ما هو أقلّ بكثير مما كان المحلّلون الاقتصاديّون قد توقّعوه. هكذا هبطت نسبة البطالة من 9،5 في المئة في حزيران (يونيو) إلى 9،4 في المئة، وهو أوّل انخفاض يحصل منذ نيسان (إبريل) 2008. والمعروف أن الأرقام التي كانت متداوَلة قبلاً توقّعت خسارة 320 ألف فرصة عمل، بما يفضي إلى رفع نسبة البطالة إلى 9،6 في المئة.
وكان من نتائج إعلان تلك الأرقام أن ارتفعت قيمة الأسهم في الولايات المتّحدة وبريطانيا إلى أعلى مستوياتها منذ عام، فقفز، مثلاً، مؤشّر "داو جونز" 114 نقطة، أو 1،2 في المئة، كما قفز مؤشّر "فوتسي" الإنكليزيّ 41 نقطة، أو 0،09 في المئة.
وما أحدثته الأرقام المذكورة من تفاؤل باقتراب التعافي الاقتصاديّ شمل الرئيس باراك أوباما نفسه، بعد مئتي يوم على انتقاله إلى البيت الأبيض. ذاك أن "أسوأ الركود – كما قال – صار وراءنا"، مضيفاً بالحذر والدقّة المعهودين فيه: "لكنْ هناك الكثير الذي لا يزال ينتظرنا. وفي ما يعنيني، لا يصحّ الكلام عن تعافٍ حقيقيّ إلاّ حين نتوقّف عن خسارة فرص العمل". فالولايات المتّحدة خسرت، منذ اندلاع الأزمة قبل عام ونصف العام، 6،7 مليون فرصة (حسب أرقام وزارة العمل الأميركيّة).
وألمانيا أيضاً، وهي صاحبة الاقتصاد العالميّ الثاني، كانت أخبارها طيّبة. فقد أُعلن عن ارتفاع الصادرات الألمانيّة في حزيران بنسبة 7 في المئة، وكان هذا هو الارتفاع الأسرع وتيرةً في شهر واحد منذ ثلاث سنوات (إذ أن ألمانيا كانت مأزومة منذ ما قبل ابتداء الأزمة)، وأهمّ علامات التعافي لأكبر اقتصادات أوروبا. ذاك أن الصادرات، في ذاك الشهر، بلغت ما قيمته 67،4 بليون يورو في مقابل بلوغ الواردات 56،4 بليون يورو، ما جعل الفائض التّجاريّ للبلد يرتفع إلى 11 بليون يورو.
والمعروف أن الاقتصاد الألمانيّ كان قد انكمش في الفصل الأوّل من العام بنسبة 3،8 في المئة بسبب تراجع الصادرات. فجاءت هذه الأرقام ترفع المعنويّات، خصوصاً وقد سبقتها تصريحات للوزير كارل ثيودور ويتنبرغ تفيد أن "الاقتصاد صمد في الفصل الثاني". وهذا فيما كانت "منظّمة التعاون والتنمية الاقتصاديّة" تعلن عن ظهور إشارات قويّة تدلّ إلى تحسّن الأداء في دول المنطقة.
هذا كلّه مبشّر بالخير إلا أنّه، كما يرى أغلب المحلّلين الإقتصاديّين، لا يزال يراوح في المنطقة الرماديّة. وأكثر ما يوجب الحذر عاملان: الأوّل، أن الإقلاع لم يصبح حتّى الآن وجهة راسخة، كما لم يصبح وجهة منسجمة. والدليل أنّ الأخبار الإيجابيّة التي نسمعها اليوم قد تعقبها في الغد أخبار سلبيّة، بينما ما تزال اقتصادات أساسيّة، كالاقتصاد الفرنسيّ، تزوّدنا بأرقام تخالف الأرقام الأميركيّة والألمانيّة: فقد أُعلن مؤخّراً في باريس عن أن العجز قد ارتفع في حزيران إلى 4 بلايين يورو بعدما كان 3،1 بليون في أيّار (مايو) الفائت. والعامل الثاني، أن سوق العمل لا يتعافى بالسرعة التي يتعافى فيها الاقتصاد ككلّ، ما يعني أنّ تحرّكات واحتجاجات مطلبيّة قد تكون في انتظارنا، مع ما يستجرّه ذلك من توتّر اجتماعيّ وسياسيّ. وهذا، بالتأكيد، بعيد عن افتراض الثورات والهزّات الهيوليّة التي يحلم بمثلها الراديكاليّون، إلاّ أنّه يستبعد، في المقابل، افتراض نزوح الغيوم، دفعة واحدة، عن سماوات العالم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حسن احمد الشوبكي