أولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين ، هذه عقيدة مستقرة ، ولكنها في قرآننا الكريم ، وكتب السنة الشريفة ، وليست على الإطلاق في قلوبنا ، فهي لا تتجاوز حناجرنا ، وخطبنا ، ومقالاتنا ، وأهازيجنا ، على الأرض ، ثمة جهد متواضع خجول ، بالكاد يرقى إلى مرتبة جهد المُقل ، مرابطون عُزَل يحمون المسجد بأجساد عارية ، وجهود أردنية رسمية مكثفة تستعمل كل المُتاح ، وسوى ذلك: جعجعة ولا طحن ، فلا الشارع غاضب ، ولا الناطقون الرسميون ينطقون ، ولا ما يحزنون،.

قبل أسابيع خلت ، نما إلى علمي أن مسلما من جنوب إفريقيا "شد الرحال" إلى الأقصى للاعتكاف فيه في رمضان ، وبعدها ، تحدث البعض عن "شرعية" شد الرحال إليه عبر بوابة التأشيرة "الإسرائيلية" وثار الجدل ، بين مؤيد ومعارض ، وكان العنوان: التطبيع ، وضاعت الطاسة بين هذا وذاك من أصحاب وجهات النظر ، ما يهم أكثر هو ما يجري على الأرض المقدسة ، وتحتها ، وفي سمائها أيضا: عمل حثيث ومجنون بإيقاع سريع جدا لتغيير المعالم ، وصناعة واقع جديد ، يقابله جدل وحوار وتطنيش أيضا ، أعتقد - وقد أكون مخطئا - أن كل مسلم يستطيع الوصول إلى الأقصى شادا رحاله إليه ، بأي طريقة كانت ، ولا يفعلها ، ربما يكون مخطئا ، طبعا شد الرحال هنا ليس بهدف السياحة والترويح عن النفس ، ولكن بهدف المرابطة ، وحمايته من المعتدين ، أما "شبهة" التطبيع فلا مكان لها هنا إطلاقا ، فالمهم إشعار المعتدي أن لهذا المسجد أصحابا وغيارى ومدافعين ، مستعدين لتسييجه برموش العيون ، وخفقات القلوب ، بكل الطرق المتاحة ، وأعتقد - وقد أكون مخطئا أيضا - أن سلطات الاحتلال ربما تكون سعيدة جدا بهذا الجدل ، بل إنها قد تكون معنية باستمراره إلى ما لا نهاية ، بدلا من انشغالها بمواجهة أمواج من شادّي الرحال عبر كل الطرق ، ومن جميع جنسيات الشعوب الإسلامية،.

أتخيل أن ثمة من يشاركني هذه الرؤية: فيض من المسلمين يتدفقون من جميع أنحاء العالم عبر تأشيرات "إسرائيلية" للمرابطة في الأقصى ، بالتأكيد ستكون هذه ظاهرة مزلزلة للكيان الغاصب ، وستتسبب بإرباك حقيقي لخططه الشيطانية ، فلم لا يتبناها هؤلاء الذين تفيض عيونهم بالدمع حينما يُذكر الأقصى الأسير؟.

حينما رأيت ملايين المسلمين يتدفقون خلال موسم الحج الماضي على المسجد المكي ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، تخيلت لو أن عُشر هذا العدد قرر زيارة ثالث الحرمين بكل الطرق المتاحة ، تساءلت: ماذا سيحدث ، وكيف ستواجه سلطات الاحتلال هذا الزحف "السلمي"؟، وشعرت آنذاك بيتم الأقصى فعلا ، فكم من من هؤلاء يتذكر شقيق المسجدين الأولين؟.

اليوم هناك دعوة للخروج والتظاهر في العالم الإسلامي نُصرة للأقصى ، عقب صلاة الجمعة ، هذا جميل ومؤثر جدا إن تم ، ولكنه جهد المقل ، فلا بد من إعادة النظر في مسألة زيارة الأقصى والرباط فيه من قبل مسلمي العالم القادرين على ذلك ، دون أن نشهر في وجوههم سيف شبهة التطبيع،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور