على مدى عشرة أيام كنا إلى الفضائيات العربية قد شُدِدْنا، نتابع بألم ما كان يجري في القاهرة والجزائر والسودان، بين فريقي المنتخب القومي المتنافسين على التأهل للمونديال. وكان أسوأ ما في الأمر أن الحكومتين المصرية والجزائرية قد أعلنتا حشد كل الإمكانات الممكنة لدعم فريقيهما، ومن ذلك إقامة "جسر جوي" بين العاصمتين المتناحرتين والخرطوم، أرض المباراة الحاسمة. كسبت مصر مباراة القاهرة، ولكن ليس قبل أن يأتي التحشيدُ أُكله من تصاعد الانفعال، ومن ثمَّة الاعتداء – مزعوماً أم غير مزعوم – على الحافلة التي تقل فريق الجزائر من مطار القاهرة. بعد "النصر المبين" خرجت ملايين القاهرة تحتفل في الشوارع، وامتلأت استوديوهات الإذاعات والتلفازات بالمحللين والنجوم والمشجعين تبارك لمصر "نصرها المبين" هذا. وفي المقابل كانت جماهير الجزائر تغلي غيظاً. وكانت العدة تُعَدُّ للانتقام الذي لم يتأخر، إذ فازت الجزائر برغم العدوان عليها في طريق مطار القاهرة – مزعوماً أم غير مزعوم -. والغريب أن المشجِّعين المصريين قد رجعوا إلى القاهرة وهم يتحدثون عن ترويعٍ واعتداءاتٍ تعرضوا لها بعد انتهاء مباراة الخرطوم. مشجعين على مستوى فنانين كبار وصغار، وإعلاميين صغار وكبار. ثمَّ تناهى الأمر إلى حرق العلمين، ومحاصرة السفارة، وتدمير ممتلكات للطرف الآخر، ورفع دعاوى قضائية هنا وهناك... وامتلأت الفضائيات المصرية، حكوميَّةً وخاصَّةً، والجزائرية عن آخرها وفي كل برامجها تقريباً، بكل ما من شأنه أن يحقق فتنة قومية، وينشر ثقافة الكراهية، بدل أن تشحن الناسَ ضدَّ الفساد والمحسوبية وانعدام الديموقراطية وغياب العدالة، وتسيُّد الاستبداد!
والقصة لم تعد مباراة رياضية بين بلدين "شقيقين"، وتداعياتها. القصة هي: أين بلغت الشعوب العربية وأنظمتها السياسية والاجتماعية من الضياع الكلي والانحطاط. لقد ضاعت وسط هذا السيل من الضجيج الإعلامي والتهديد الذي كان على أعلى مستوى، تلك الأصواتُ العاقلةُ التي كانت تنادي بوقف هذه "الحفلة" غير الأخلاقية، والشعوبية، والتي تمرِّغ الروح العربية في طين أزمة عابرة، ولن يُمكن انتشالُها منها فيما بعدُ. القصة ليست في تجاوزات يبحث الجانب المصري عن توثيق لها – ولم يجد حتى الآن لها سوى صورة واحدة لحافلة محطمة وفارغة من الركاب- أو اعتداءات – نجح الجانب الجزائري في توثيقها وإرسالها إلى الفيفا-. القصة برمتها فتنة، إن لم تكن الأنظمة هي التي أشعلتها، فإنها لم تسعَ إلى إطفائها. والقصة برمتها أنها قصة شعوب تبحث عن نصرٍ، ولكن الفقر قد أكلها، واجتاح بلدانها الفساد، فانعدمَ الأمل وتوارت الرؤية، وعمَّ الظلام. ولم يعد يميز الواحد أخاه من عدوه، ولا مصلحته القطرية والقومية من الخطر المميت. لقد تعالت أصوات بقطع العلاقات بين البلدين الشقيقين، ولم تستح أصوات أخرى من "التريقة" على الشعب الآخر ونعته بأقبح النعوت. وفي الأثناء – كما قالت المعارضة – تُعَدُّ العُدة لتمرير أوراق "التوريث".
لم تكن تلك مباراةً رياضيةً سلميةً، كما ينبغي لأي مباراة أن تكون، بل هي حرب ضارية تشنُّها جهاتٌ والشعوب وراءها مجرورة عمياء، فهل بعد ذلك من هوان؟ وهل سيلوم أحدٌ الشاعرَ الكبير أدونيس على قوله الشهير بأنَّ العرب في حالة انقراض؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد