وقبل أن نقارن، ينبغي التّأكيد على أنّ الفساد والطّغيان والاستبداد قد عمّ الأنظمة العربيّة، مما استدعى الثوران عليها! وأنّ هذا الثّوَران الذي حصل في عدد من بلدانها ليس واحداً، ولم يُؤت النتائج ذاتها، لأنّ نسيج النّظام في تونس ليس مماثلاً لنسيج النظام في ليبيا! وخامة النّظام في مصر ليس هو ذاته في سورية. وقد أفهمَنا التّاريخ درساً غالي الثّمن مفاده أنّ الاستبداد –وإن تطابق في جوهره– إلا أنّ له تنويعاته العريضة باختلاف الزمان والمكان والشّعب والظروف المنتجة له، وباختلاف طبيعة المستبدّ نفسه وعلاقته بالجيش! فالذي نشأ وعاش وأصرّ على حياة بعيدة عن المدنيّة -بينما المدنيّة متاحة- وعانى من عُقَدٍ وشذوذاتٍ شخصيّة تشهد عليها صُوره وأخباره (كالقذافي مثلاً)، لا يتساوى مع من نشأ على ضفاف النيل وفي أحضانِ حضارة وتحضّر عريق (كمبارك)! ومع أنّ كليهما دكتاتور، إلا أنّهما يختلفان في الدّرجة ونوع الوسائل المختارة لإقامة دولة الاستبداد!
فبينما الأول يُظهر –ولا يهتمّ أن يُبطن- قدرته على التّنكيل، فيتخلّص من خصومه ولو في أقصى الأرض، ويمارس قرصنةً دوليّةً، ويتوغّل في البشاعة في اختيار طرائق العبث بالشّرف والكرامة ومال الشّعب وأفراده، يسعى الثّاني (مبارك) إلى إيجاد غطاء قانونيّ –مهما هزُلت تبريراته- لطموحاته في الاستمرار والتّوريث، مفوّضاً جهاز الأمن وأفراد عصابته للقيام بواجب الاستبداد أو الفساد أو كليهما، دون أن يوجع رأسه، الذي شاخ وبطُؤ تفكيره وذهبت قدراته، بمُجريات الأمور. ولذا وجدنا أنّ هامشاً عريضاً من حريّة التّعبير (بالقياس إلى بقيّة الدّول العربيّة) قد صاحبَ حُكمَه، فظهرت مؤسّسات إعلاميّة خاصّة قويّة، ومؤسّسات مجتمع مدنيّ تنتقد وتسلّط الضّوء على مناحي الفساد والاستبداد. وصار من الممكن اختصار سياسة مبارك في "دع الشّعبَ يقولُ ما يشاء، ونحن نفعل ما نشاء"! فهل كان القذافي مؤهّلاً لهذا الخيار؟!
أسوقُ هذه المقارنة بين مُستبدّيْن للوصول إلى نتيجة مفادها أنّ درجة الاستبداد تتحكّمُ في نتائج الثورة عليه، بالإضافة إلى العامل الشّخصيّ وعمر المستبدّ وتركيبة الجيش في بلد المستبدّ.
فالجيش المصريّ العريق الذي قطع سنوات ضوئيّة عن العشائريّة والبدائيّة، ليس هو الجيش الليبيّ الذي رُتّبت أموره ليكون كتيبة شخصيّة للقذافي، وممن يثق بهم من عشائر. فدرجة التحضّر في الجيش هنا لعبت دوراً مميّزاً في حسم "الثورة" أو إجهاضها. إذ تجلّى عياناً دور الجيش في كلا البلدين: في الأول كان الجيش القبائليّ إلى جانب القذافي -بطبيعةِ الحال- بينما في الثاني أرغمَ الجيشُ الرئيسَ المستبدّ على التنحّي، عندما رأى جموع الشّعب الغاضبة في "التّحرير". وهذا بالضبط ما حدث في تونس! فلولا امتناع الجيش عن مهاجمة المتظاهرين لما حزمَ بن علي مَتاعه وفرّ بليل أغلس! أما الجيش السوريّ فكان في معظمه في قبضة النّظام، جاهزاً لخوضِ حرب تكسير عظام مع "الثوار" الذين دخل فيهم الحابل والنابل والمستأجَرُ والمرتزقُ والعميل ومليارات "رعاة التّغيير"!
والخلاصة، أنّ على أصحاب "نظريّة الثّورات" في بقيّة الأقطار العربيّة أن يقرأوا درس "الثّورات" هذا، حتى لا يُدخلوا بلادهم في معارك لن تؤدّي إلا إلى الدّمار والموت!
لعلّنا لا نفقد الأمل..!!!
المراجع
rasseen
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد