لم يخض الإخوان في مصر المعركة الصحّ. فخبرة ثمانين عاماً ونيّف من التأسيس وعراك الأنظمة والتغلغل في طبقات الشّعب، وخصوصاً الأمّيّة والفقيرة منها، لم تُفض إلّا إلى هذه الخيبة المريرة؛ وهي خيبة مُرشّحة للتّكرار في جميع البلاد التي يتلمّظون على حكمِها. وبرغم البراغماتيّة النّفعيّة التي يتفوّقون في استعمالها، إلا أنّ عماءً سياسيّاً وأخلاقيّاً كان سقطَ على عيونهم إثر أن فاجأتهم نِسبتهم غير المتوقّعة في انتخابات البرلمان. فبعدها، وفوراً، حنثوا بوعدهم في أن لا يُرشّحوا منهم للرئاسة أحداً، وكان الاختيار الحزبيّ قد وقع، بعد استبعاد خيرت الشاطر، على محمد مرسي، والذي ظلّ المسكين ضئيلاً على كرسي الرئاسة، فظلّ يتململ حتى لفَظَه!
كان من المفروض أن يفي الإخوان بوعدهم أن لا يقربوا الرئاسة، لا لأسباب أخلاقيّة فحسب (باعتبار أنّهم أرباب الأخلاق!)، بل لأنّ المرحلة التي تعقب أيّ ثورة تكون مهدّدة بالقلاقل، إلى أن يستوعب الشعب بجميع شرائحه الزلزال الذي أطاح بالنظام الفاسد المستبدّ! وإلى أن ييأس أنصاره ويُسلّموا بالأمر الواقع.
لقد خانهم الدهاءُ الذي يُتقنونه في التّقيّة والاختباء وتمويه الأثر، فلم يقرأوا تاريخ الثّورات، كما ينبغي لكلّ أصحاب الثورات أن يفعلوا، فما بالنا إذا غدا هؤلاء بين ليلة وضحاها طلاب حكم؟
وإذ خذلتهم الحكمة والفهم أيضاً في قراءة الواقع المصريّ، أخفقوا إخفاقاً مريعاً على عدّة محاور وصعدٍ؛ الأوّل منها اختيار رجلهم الفاتر قليل الموهبة، ومتواضع القدرات والمعنى، متوهّمين أنّ الشّعب المصريّ -كالجماعة– على السّمع والطّاعة! فما قاله المرشد ونائبه، سيتلَقّاه (الشّعب) بالتّهليل والتّأييد! ولكنّ الشّعب لم يبايع، ولم يمرّ في مراحل التّأكّد من الولاء، ومن التّرقي في مراتب الأخونة والتدريبات السّرّيّة!
والخطأ الثّاني أنّ رجلهم كان خيبةً لا يمكن تلخيصها؛ فخطبه، ووعوده التي لحسها، والإعلان الدستوريّ الذي فاجأ به الشعب ومنح نفسه فيه صلاحياتٌ لا تُناقش ولا تُردّ، وطبخة الدستور المسمومة، وقراراته التي كثيراً ما كان يتراجع عنها، وأخطاؤه في التّعبير والسلوك البروتوكولي، وأسفاره الكثيرة التي بلا معنى أو أجندة، وصمته على تغوّل جماعته وشراسة جوارها المتأسلم والجهاديّ في تكفير المعارضة وقتل بعض أفرادها وسحلهم وتعذيبهم وترويع الأمن ومحاصرة المحكمة الدستورية العليا ومدينة الإعلام التي منها تبث الفضائيات المعارضة، والعفو عن ألفي سجين معظمهم من الجماعة والجهاديين أو من تجار السلاح والمخدرات (عدد هؤلاء حوالي 600 سجين)... كلّ ذلك (بالإضافة إلى أنّ المسكين كان يُعاني من التهابٍ حادّ في خفة الظلّ، فحضوره ثقيل، وكلامه إذا نطق أثقل!) سارع إلى حفر مصيره البائس في العزل والسجن والاتهام والمثول أمام القضاء!
وثالث الأخطاء أنّهم استعجلوا التّمكين لأنفسهم في الحكم، فصالوا وجالوا دون أيّ صفة قانونيّة، وأصابهم عُجبٌ بالنّفس وصَلَف، زاد من أعدائهم، وأفقدهم الكثير من المحبين والمتعاطفين.
والرابع أنّهم في هجومهم على المعارضة لم يتنبّهوا إلى أنّ الجيش والشرطة والقضاء والإعلام وأهل الثقافة والفن والسياحة والمعارضة والثوار ليسوا معهم! ولم ينتبه لذلك موفدهم إلى قصر الرئاسة أيضاً... وأنّى له أن يفعل!
لم تكن إذن الأرض، أرض مصر، مهاداً طائعاً لحكمهم، فعناصر الدولة تنتظر سلاماً وعدلاً، بينما ما يجري لم يكن سوى وَلَهٍ وسواسيّ بالسّلطة!
وقد ختم الإخوان المسلمون أخطاءهم القاتلة تلك بأكبرها وأخطرها وهو توفير كلّ الظروف والملابسات لاعتصامَيْن كان كلّ شيء فيهما يَعِدُ بالدّم ويُحرّض على العنف والإرهاب؛ من الخطب العصماءِ (حَ انفجّر مصر... خطوات تصعيديّة... الوعيد بتفجير طريق المحور والمطار...) التي أعدّت أجواء المعركة والاستشهاد واستعمال النساء والأطفال دروعاً بشريّة... إلى الاستعدادات الحربية بأنواع من الأسلحة (المولوتوف والرشاشات والمسدسات، ناهيك عن العصي والسلاح الأبيض!).
فالمعركة التي اختارها الإخوان لم تكن اعتصامات غير بريئة فحسب، بل تلاها إثر فضّها الانقضاض على مصر تدميراً، (وكان سبقه استقواءٌ بأميركا والغرب)، وحرق حوالي سبعين كنيسة وجميع المحاكم في الصعيد وعدد لا يُستهان به من مراكز الشرطة، بالإضافة إلى قتل الجنود وأفراد الأمن.
فمتى يتعلّم الإخوان الدّرس؟
وهل من الممكن أن لا نفقد الأمل؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد