ألوان الفقر تتعدد وإن كان يجمعها السواد في نهاية الأمر, ومشاهد ونتائج هذه الظاهرة المزمنة بدأت تأخذ أشكالا خطيرة في البلاد.. ليس أقلها ما جرى الحديث عنه مؤخرا من تجارة وسرقة للكلى والتي تستهدف بعض الشباب وتطيح بحاضرهم ومستقبلهم على حد سواء.
شاب في الثانية والعشرين من عمره كان يعمل لإعالة أسرة.. عمله بسيط للغاية يبحث فيه عن رزق سريع من خلال البيع في بسطات وسط البلد.. غرر به أحد الأصدقاء ودعاه الى رحلة مجانية لمصر.. وهناك خدر واستؤصلت كليته في مستشفى خاص دون علمه.. منفذو هذه الجريمة من سماسرة ينشطون بين عمان والقاهرة لم يعطوه شيئا باستثناء اجرة العودة وهددوه إن هو أفشى السر.
أي مافيا اقتصادية وانسانية اخطر من تلك.. هذا الشاب يعاني من آلام كثيرة ولا يقوى على المطالبة بحق اغتصب عنوة وبتدبير شبكة احترفت الحصول على توقيعات من الشباب المخدوع بأن العمليات تمت بقصد التبرع لوجه الله فيما الامر ليس كذلك بالمطلق. عشرات السماسرة ما زالوا ينشطون في تجارة الاعضاء البشرية على هذا النحو, ويقابل ذلك خسارات كبيرة لقوة شابة نحتاجها الآن اكثر من أي وقت مضى.
متروك لمؤسسات الدولة الأمنية والتشريعية والطبية وحتى النفسية والاجتماعية التصدي لهذه الظاهرة التي باتت تتزايد وسط اعتراف رسمي بها, والتصدي يجب ان يفضي الى منع حدوث خسارات جديدة لفئة عمرية رائدة في تحقيق صورة الاردن المقبل.. بيد ان الامر ما زال بين بائع لكليته بهدف الحصول على مبلغ لا يسمن ولا يغني من فاقة وبين مخدوع وقبل هذا وذاك ثمة سمسار احترف هذا العمل البائس وينفذه بجرمية مقصودة وغير منظورة.. احد لا يعرف من الضحية التالية, وربما يكون شابا طموحا تحدثنا اليه قبل ساعة.
لا ارغب في الدخول في تفاصيل هذه التجارة اللاإنسانية, ولكن ارقامها تؤكد ما يدعو للتحليل والدراسة, فثمن الكلية الواحدة يبيعه السمسار كما يقول عدد من الضحايا (ممن قابلتهم) بسعر يتراوح بين ثلاثة آلاف دولار وستة آلاف دولار, ويتم إغراء الشخص الذي تستأصل كليته بمبلغ ألف دولار وكثير من هؤلاء لا يحصل على هذا المبلغ, واكثر من ذلك, فإن الظاهرة وصلت الى بعض العائلات المعدمة واستقطبتها, وأبعد من الاتجار عبر القاهرة, فإن بعض عمليات استئصال الكلي لغايات الاتجار تتم في دمشق تحت مسميات قانونية تماما كما يجري الامر في العاصمة المصرية.
الحديث مع الأطباء والاختصاصيين الاردنيين في القطاعين العام والخاص حول تفاقم هذه التجارة يؤشر على وجود أزمة كبيرة, وكل من التقيته مؤخرا حول هذا الموضوع يؤكد المعلومات المتداولة بشأنه, فالظاهرة موجودة, والمنع الموجود في التشريع حيال الاتجار بالاعضاء البشرية دفع السماسرة المحليين للتنسيق مع غير اردنيين والبحث عن اسواق عربية اخرى, يجري جذب الشباب اليها عبر اغرائهم بليالٍ حمراء سرعان ما تبدو حقيقتها السوداء بعد وقت قريب.
في التحليل الاقتصادي, ثمة قراءة أكثر أهمية تفرزها اسئلة موضوعية, فما الذي يدفع شابا لولوج عالم مجهول من أجل حفنة دولارات ويخسر في المحصلة صحته وحياته وقبل ذلك كرامته كإنسان.. والسؤال الآخر, لماذا يستمر هؤلاء السماسرة في خداع آخرين, وكيف يمكن وقف هذا التلاعب بأعضاء وأرواح البشر واستغلال ظروفهم الاقتصادية الهالكة?
المعلومات التي طالعها الرأي العام المحلي وعايشها ايضا منذ بداية العام الحالي بشأن تفشي الغلاء وتصنيف عمان كأغلى مدينة عربية وارتفاع التضخم وزيادة بؤر الفقر وكل ملامح الغلاء وصعوبة الظروف المعيشية تعتبر دون أدنى شك سببا مباشراً او غير مباشر في اضافة اعداد جديدة من متبرعي الكلى للاتجار بها او المخدوعين او حتى سماسرة هذا العمل الجرمي.
جريمة اقتصادية لا نرغب في استمرارها أو تفشيها.. كلى لفقراء أردنيين تمر بسوق سوداء عربية إلى مرضى ميسوري الحال من لبنانيين وسودانيين وأتراك.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حسن احمد الشوبكي