كأفرادٍ متعطشةٍ لمعرفة "الآخر"، قمنا على مدى عقودٍ وعقودٍ في العصر الراهن (وقديما في عصورٍ غَبَرَتْ) بترجمة التراث الإنساني والإبداع الأدبي والفكري..، فقرأنا بالعربية آداب اليونانِ القديمة، وعيونَ الآدابِ العالمية الروسية والفرنسية والانجليزية والألمانية والإسبانية، وآدابَ الشرق الاقصى وأميركا اللاتينية.
ثم أخذنا في ترجمة آداب اللغات المهمّشة- تبعا لشعوبها المهمشة، وما تزال دور النشر، (وهي في معظمها خاصة)، تصدر الإنتاج تلو الإنتاج. وثمة منظمات ومؤسسات ولجان على مدى الوطن العربي معنية بالترجمة إلى العربية، ودوريات متخصصة بالآداب الاجنبية، ناهيك عن الأفلام والبرامج التلفازية التي يصاحب عرضها شريطٌ يحمل التعليق او الحوار بالعربية.
بمعنى آخر... لقد نقلت الصفوة المثقفة ودور النشر الخاصة، لدينا -نحن العرب- (الآخرَ) وعرّفت به، مما أفضى إلى التفاعل معه، والإفادة من ثمار معرفته وتجاربه وإنجازاته، وكان كل ذلك بمبادرات فردية غالبا، ونتاجَ الإحساس العميق والمباشر للدخول في روح المعرفة، دائما.
إنه ليُسجَّل لنا -من بين قليل- كشعوبٍ ترتع في التخلف، وكشعوب راهنة مفتقرة إلى دواعي النهوض وأسبابه، أننا ما نزال نحرص على هذا البند المهم في حوار الشعوب، وتلاقي الثقافات وتلاقحها، وما نزال نلهث وراء الكتاب والكاتب ونتابع، بما يتناسب طبعا مع قدراتنا الذاتية، وامكاناتنا المحدودة في اللغات، فمعظم ما يُترجم إلى العربية لا بد أن يمر عبر الإنجليزية أو الفرنسية.
غير أن حوار الثقافات -ومن ثم الشعوب- لا يكتمل ونحن نَقرأ ولا نُقرأ... نَسمع ولا يُستمع إلينا، ولتصبح الدائرة دائرة يسيل فيها -بلا عقبات- نَسْغُ المعرفة الكونية، لا بد أن يؤدّي (الآخر) دوره الإنساني في التعرّف إلى ثقافتنا وإنجازنا المعرفي الراهن، وقلقنا الروحي الذي تعبر عنه كتاباتنا وإنتاجنا في حقول الفنون والمعرفة الشتى، لا بد أن يُترجم شعرنا، وأدبنا، وعيون فكرنا المعاصر.
صحيح أن الغرب -تحديداً- قد أدى دوراً رائداً في تحقيق تراثنا القديم، والتعريف به وترجمة بعضه من خلال حلقة الاستشراق، بينما شعوبنا تغط في نوم عميق تحت الحكم العثماني، إلا أنه كان استشراقاً خارجاً من معطف التجسس وفهم الآخر للسيطرة عليه. وإذا كان ذلك لا ينسحب على جميع من استشرق، إلا أن مرحلة الكولونيالية التي وسمت العالم في القرن التاسع عشر وضخّت في الدول المستعمرة امكاناتها الهائلة التي فتحت لها أبواب التقدم والتميز والمزيد من السيطرة، ليست بمسعى خير للبشرية، ولا هو بما يحتاجه القرن الحادي والعشرين لخير البشرية ايضاً.
إننا كشعوب وبمبادرات شعبية قمنا ونقوم بدورنا الإنساني الثقافي.. ولكن ماذا عن الشعوب الأخرى المتمكنة في المعرفة والمالكة الاقتصاد؟ ماذا عن توقها -كشعار- لمعرفة (الآخر) وفهمه والتفاعل به؟
إنها دعوة -من على هذا المنبر- لجميع دول الاقتدار والاقتصاد للمبادرة إلى ترجمتنا، فهذا دور منوطٌ بدورة المعرفة وبالتوق لسبر جزرها في العالم، وتحقيق توازن -من ثَمَّ- في مصير الثقافة التي دائما تفتح نوافذ وابوابا في رؤوس البشر وفي العلاقات الانسانية... وتقرب الإنسان من الإنسان، وتدفع باتجاه المشترك، وتقدير المختلف وتذوّق جمالاته.
ومن جهة أخرى، فإننا لنأبى أن يتعرّف بنا الآخر من خلال بن لادن وقاعدته، لأنّ إبداعنا الأدبي ليس الا قصيدة طويلة تبتهل للسلم وتمجد الحياة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد