- للتاريخ -
عمل مركز دراسات المرأة إذن قوةً ضاغطة لدعم النساء وتمكينهن. كما عمل قوة ضاغطة لتغيير القوانين والممارسات التي تتحيز ضد النساء. وقد أعدّ المركز في أولويات نشاطاته دراسةً قيمةً لقانون الأحوال الشخصية، بل اقترح صيغة متطورة للقانون، ولكن البرلمان بتركيبته الاجتماعية التقليدية كان من المستحيل أن يجيزَه مع أن المركز دفعه إليه. ومن جهة أخرى تَوَاصل المركز مع دائرة قاضي القضاة واقترح على فضيلة قاضي القضاة أن تشارك النساء في صياغة قانونهن، فكان أن أصبحت الدكتورة عيدة المطلق -عضوة المركز- عضوة في لجنة إعادة صياغة قانون الأحوال الشخصية.. وكان هذا تغييرا جذريا في ذهنية الدائرة التي كانت حكرا على الذكور.
كما اقترح المركز أسماءَ عددٍ من النساء لتسلم مناصب إما وزارية أو ما شابه، وفي المجلس الاستشاري وفي لجانٍ عليا... وقد تسلمها فعلا.
إذن، لقد ناضل المركز نضالا حقيقيا من أجل تحقيق أهدافه. وبينما كانت كل عضوة وعضو فيه قيمة حقيقية في التخصص والتوجه، انفتح الباب على عضوات واعضاء جدد, فلم يسلم قمحنا من الزوان.
لقد جاهدت المؤسِّسات جهادا منقطع النظير، لأنهن كن يُوجِدن منظمة فكرية لا جمعية خيرية. وكان ذلك شاقا لأن هذه المنظمة معنية بالفكر النسوي، الذي ما يزال حتى اليوم يوصف بالتطرف.
حتى إن بعض العضوات - وهذا ما اكتشفناه لاحقا- اللواتي التحقن بعضويته فيما بعد تَمَنْظُرا وتمظهرا، كن يخجلن من أفكاره الصريحة والواضحة.. وكثيرا ما كنّ ينفين عن أنفسهن "تهمة" "الفيمينيزم". ولم يكن ذلك ليهمّ، لولا أن هؤلاء قد وصلن رئاسة الهيئة الإدارية، وأوقفن العمل تماما في المركز، وبدّدن موجوداته وأجهزته ومعداته وكتبه وأثاثه. وبينما كنا نتحدث عن سبعين ألف يورو ستصل إلى مائة ألف، وعن أربع موظفات على الأقل.. أُغلق المركز بقرار من الهيئة الإدارية الأخيرة، وجُمعت أوراقه لدى إحدى عضوات الهيئة، وانقطعت الهيئة الإدارية عن أي نشاط سوى نشاط وحيد، وهو رفع دعوى كيدية ضد الرئيسة الثانية للمركز، والتي هي نفسها جعلت منه شيئا مذكورا.
قبل أيام فقط قال القضاء كلمته في تلك القضية التي أقامتها رئيسة لم تفعل شيئا، ضد رئيسة فعلت تقريبا كل شيء.. وبينما كانت هي تمارس حياتها البورجوازية المرتاحة، كانت الرئيسة الثانية تنقطع انقطاع عبادة للعمل من أجل المركز.
والآن.. أُغلق المركز وإلى الأبد... فما الذي يمكن أن نفيد من تاريخه؟ ليست الأسماء مهمة، فمن عرف القصة عن قرب عرفها. ولكن المهم العبرة. والعبرة أحب أن أضعها بين أيدي جيلٍ من النساء يعلمن علم الحق قضيتهنَّ، ويجب أن يحذرن أولئك اللواتي يلبسنها مثل موضة. فثمة نساء انتهازيات مثلما أن ثمة رجالا انتهازيين، وعلينا أن لا نحمِّل قضية المرأة عبئا إضافيا من عداء المرأة للمرأة.
إن عراك النساء مع النساء، هو عداء عبودية؛ فذهنية العبودية تُظهر في أن من هم رهنها أشداء على بعضهم.. وهذا لا دخل له بجنس دون آخر، وعليه فإن الموظفة التي استلمت ملف مركز دراسات المرأة -وكانت في الوقت نفسه عضوة فيه- وعملت على إعداد تقرير مدمر للمركز ولسمعته وللرئيسة الثانية وسمعتها، إنما هي -دون أدنى شك- رهينة إشكالٍ عصيٍّ... وإلى آخر يوم في حياتها سيظل المركز أمانة في رقبتها لم تصنْها... أما آخر رئيسة فكانت صفعة القضاء كافية لها.
عندما أعد مذكراتي، لن يسعدني أنني سأكون مضطرة لذكر هذه الأسماء وما خرّبته في حياتنا الثقافية والفكرية، ولا أدري في أي مرآة ستنظر أولئك النساء إلى وجوههن بعد أن أجهزن على مؤسسة شُرّفن بالانتماء إليها.
أما النساء الجديدات فسينشئن مراكزهن، وسيُعددن دراساتهن وسيبلورن مفاهيم تلبي حاجات صاعدة، وأرجو أن لا يكون من بينهن مَنْ شوهت الحياةُ نفسَها أو منحتها عقدَ أو ذهنيةَ العبيد. كما إني لأرجو أن يكون ممكنا أن تخلو الحياة من نساء مشوهات بعقد النقص، أو بذهنية العبيد.
المراجع
alghad
التصانيف
صحافة زليخة أبوريشة جريدة الغد