اربع سنوات دراسة ، ثلاث سنوات انتظار ، ثم تعيين وأربعة أيام دوام ، فتوقيف في مركز "إصلاح ،"لمدة أسبوع ، واستقالة وطلاق بائن بينونة كبرى ، بين صاحبنا والتدريس،
هذه الكلمات تختصر قصة شاب متحمس ، درس بجد واجتهاد في جامعته ، ثم انتظر متشوقا تعيينه في التدريس ، لأنه يحب أن يخدم وطنه وأبناء أمته ، ويعشق هذه المهنة ، ويأتي الفرج بعد انتظار ثلاث سنين ، ويذهب أخونا الشاب وكله نشاط وحب وإقبال لمدرسته في إحدى قرى عمان ، كي يحتضن المهنة التي أحبها ، ويعطي أحسن ما عنده لطلابه الذين عاملهم كإخوانه وأبنائه ، وتمضي أربعة أيام في المدرسة وصاحبنا الشاب ، مقبل غير مدبر على مهنته الجديدة التي أحب وعشق ، وفي اليوم الخامس يحدث ما لم يكن يحلم به أويتوقعه: يلعب الأولاد هنا وهناك ويتدافعون في فترة راحتهم ، ويُصدرون جلبة كعادتهم ، يطلب المدير من المدرس الشاب أن يذهب ويطلب من التلاميذ الهدوء ، فيمتثل الشاب النشيط ، ويهب لتنفيذ أمر المدير ، وحين يصل إلى تجمع الأولاد ، يتدافعون ، ويسقط أحدهم أرضا ، فيحاول المدرس الشاب إيقافه على قدميه ، فيقف ، وينفض عن ملابسه الغبار ، ويمضي لاستئناف اللعب ، ويعود الشاب إلى ما كان فيه ، وينتهي اليوم الدراسي على "خير" كما هيء للشاب،
في المساء يطرق باب بيت الشاب المدرس من يطلبه للمثول في المركز الأمني ، ويمتثل مطمئنا إلى أن كل شيء على ما يُرام ، فهولم يرتكب إثما ، ولم يؤذ أحدا ، وهناك يُفاجأ بالفتى الذي وقع أرضا وقد جاء بتقرير طبي يُثبت أن في أحد ساقيه "شعرا" في العظم جراء وقوعه ، وليكتشف أن الشاب متهم بدفع الفتى وإيذائه ، و..ينام المدرس المتحمس ليلته موقوفا بتهمه ضرب الفتى ، وفي الصباح ، تتحرك الجاهات والوجاهات لإخراج الشاب ، وتخليصه من هذه الورطة ، ولكن أبا الفتى يأبى أن "يُصالح" ، فلم يستمع للنداءات والجاهات والرجاءات والطلبات ، فقد أصر على الذهاب إلى القضاء ، وهكذا مكث الشاب موقوفا لمدة أسبوع ، مع القتلة والمجرمين ، وهولم يزل الشاب الغض المتحمس لتربية الجيل وتعليمه،
هذه هي القصة باختصار ، الشاب الآن بانتظار المحاكمة على جرم لم يرتكبه ، كما روى لي والده بحرقة وألم وشعور عميق بالأسى ، الشاب -وهي يتجرع سم هذه المحنة - طلق مهنة التعليم بالثلاث ، وأقسم أن لا يعود لهذه المهنة بعد أيام عمل تقل عن الأسبوع ، وهكذا خسرنا عنصرا نشطا ومتحمسا لتربية أولادنا،
ويسألونك عن التربية والتعليم ، والمعلمين ، ومدارسهم ، ومدى احترام القانون والنظام لهم،
من منا يستطيع أن يسأل -من بعد - لماذا انحدرت المهنة وساء حال المدارس ، ولماذا نرى المدرسين وهم غير "متصالحين" مع ذواتهم ومدارسهم وطلابهم ومهنتهم كلها؟،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور