بعد مضي عقدين على اصلاح اقتصادي وانتقال حيوي الى لغة السوق لا القطاع العام وعقب تسارع اكثر وضوحا في السنوات العشر الماضية .. يكمن القول ان الاصلاحات الاقتصادية اتت اكلها في جانب السياسة النقدية وبناء الاحتياطيات في البنك المركزي .. لكن جانبا اخر من الاصلاح اصطدم بضعف الرؤية وغيابها وسط تشوه التطبيق في احايين كثيرة.
عملية الاصلاح الاقتصادي في الاردن بحاجة الى مراجعة جادة تأخذ بعين الاعتبار نقاط الضعف وتراكمية الخطأ بعد مرور سنوات على البدء في الاصلاح .. والتساؤلات الرئيسة حول المراجعة المقترحة تتركز في تحديد ملامح الاصلاح ودرجة الجدية ومدى مشاركة المواطن فيه، ام انه مجرد رؤية حكومية غابت عنها باقي الرؤى.
البحث الذي أعده الباحث الاقتصادي الدكتور سفيان العيسة ونشره معهد كارنيغي قبل نحو شهر والمعنون تحت "اعادة التفكير في الاصلاح الاقتصادي في الاردن: مواجهة الوقائع الاقتصادية والاجتماعية" يستحق وقفة تأمل ودراسة من قبل صناع القرار في البلاد .. نعم ، اصلاحنا الاقتصادي الذي مر بمراحل تجريب حادة وعديدة، يجب ان يعاد النظر فيه بعد ان تكرر الفشل احيانا وغابت الرؤية وسط ضعف المؤسسات الرافعة للمشاريع الاصلاحية .. حتى بات الاصلاح عنوانا كبيرا لكنه مفرغ من الدلالة اذا ما اختبر على ارض الواقع.
ثمة انتقائية في الاصلاح رصدها البحث واعتبرها مدعاة لعدم اكمال مخططات الاصلاح او حتى تفعيلها او تنسيق طرق تطبيقها، وهنا لا بد من الاشارة الى ان سريان مثل هذا الامر يدفع نحو التردد وعدم اليقين حيال أي جهد اصلاحي، واذا اعتبرنا ان معدل عمر الوزير في الوزارة لا يتجاوز عشرين شهرا فإن تلك الفترة غير الكافية تجعل الوزير - قبل غيره – بمنأى عن أي أفكار إصلاحية او مشاريع تنسجم والرؤية الاصلاحية لتطوير الاقتصاد الوطني، ففي الوقت الذي يهم فيه الوزير للدخول الى الوزارة تكون ساعة رحيله قد ازفت. فهل سينخرط الوزير في الاصلاح وهل سيقوم باتخاذ قرارات اقتصادية مصيرية، هذا اذا كان مؤهلا؟ وقد اختبرنا في الاونة الاخيرة وزراء لا قدرة لهم على رعاية صحتنا او تأمين شربة ماء نقية.
ضعف الشراكة بين القطاعين العام والخاص كان ايضا سببا في فشل خطى الاصلاح الاقتصادي، فمن غير المنطقي ان نتحدث عن اصلاح تتغلب فيه الرؤية الرسمية فقط او تتسيد افكار النخبة الحاكمة، وبما يؤشر على ان الإصلاح مفروض على المجتمع من الأعلى الى الأدنى ، وهو ما رأيناه جليا في عشرات القوانين الاقتصادية التي تصيب واقع رجل الأعمال في صميم عمله وخططه في التجارة والصناعة، لكنه لم يُستشر او يستشر قطاعه في تلك القوانين .. وكم من وفد رسمي تحدث خارج البلاد عن التجارة البينية مع تلك الدولة او غيرها في ظل غياب استفادة القطاع الخاص من مثل هذه الاتفاقات .. مناطق صناعية مؤهلة، واتفاقات تجارة مع الولايات المتحدة واوروبا وغيرها .. لكن شيئا لم يتغير او يحدث تغييرا في الصورة النمطية للتجارة والصناعة.
وفي انتقاد ما حدث خلال عقدين مضيا، يكمن القول ان الحكومة ما زالت لاعبا اساسيا في الشكل الاقتصادي للبلاد من خلال تضخم جهازها البيروقراطي ولم تحدث الانتقال في الادارة من العام الى الخاص، والا فكيف نفسر – كما ذهب بحث كارنيغي – ارتفاع حصة الموظفين الحكوميين الى 43 % من اجمالي التوظيف وتشكل فاتورة اجور هؤلاء الموظفين ما نسبته 58 % من اجمالي الانفاق الحكومي الذي زاد بعد البدء في الاصلاح ولم يقل.
مجالس استشارية واقتصادية وخلوات ولجان اجندات واخرى تركز على كلنا الاردن وغيرها يشدد على الاردن اولا واجندة وطنية ولجان ومشاريع ومؤتمرات ومنتديات .. لكن ايا من التوصيات لم ينفذ، وعدنا الى المربع الاول بمه فيه من مواجهات وازمات عديدة، فهل نبقى فيه؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حسن احمد الشوبكي