تحولت البلاد الى مسرح مفتوح للغلاء، لا يمكن رصده ولا يمكن توقعه. غلاء يطال كل شيء ، فمن كان يتوقع ان يتضاعف سعر كيلو العدس المجروش مؤخرا الى دينار، وسبقه ارتفاع خيالي لاسعار القمح والطحين بنسب فاقت 200% خلال الشهرين الماضيين ما انعكس سلبا على اسعار الخبز والكعك والحلويات غير المدعومة، الحليب ليس احسن حالا ، فسعره ارتفع خلال الخمسين يوما الماضية بين 10 % و40 % ، ناهيك عن مئات السلع الأخرى.
ماذا ستأكل العائلات الفقيرة، اذا كان الغلاء قد شمل خبزها وعدسها وحليب اطفالها ؟ الامر ليس سهلا على الاطلاق. الغلاء يأتي عشية موجات غلاء اكبر يتوقع ان تتصاعد بعد بضعة اسابيع عندما تقوم الحكومة بتحرير قطاع النفط بشكل كامل في موازنة العام 2008 .
ناقلو البضائع في ميناء العقبة والمسؤولون في قطاع الشحن وغيرهم على المنفذ البحري الاردني يؤكدون ان معظم اسعار السلع والخدمات ارتفعت بنسب تتراوح بين 10 % و60 % وبلغ الارتفاع لبعض هذه السلع 100 % وذلك خلال الشهرين الماضيين. تلك الصرخات ليست في العقبة وحدها ففي العاصمة ثمة مشهد اكثر تعقيدا. نقيب تجار المواد الغذائية ونقيب اصحاب المخابز يتفقان على ان الغلاء كبير ويده طويلة وتمس الفقراء، كيف لا وهو يشمل اسعار المواد الاساسية من خبر وحليب وعدس، والاهم من صرخات التجار والنقباء معاناة ارباب الاسر الذين يواصلون سعيهم للتكيف مع اوضاع اقتصادية صعبة لكن المسألة تزداد قساوة عليهم يوما اثر يوم.
البقوليات شهدت ارتفاعا في اسعارها تراوح بين 20 % و 40 % مؤخرا والسبب قلة المحاصيل الزراعية واستمرار الجفاف لدى بعض الدول المصدرة ويقابل ذلك ارتفاع ملموس ايضا في اسعار المعلبات الغذائية والسمنة والزيوت النباتية. ومع بدء موسم الشتاء وارتفاع اسعار الاعلاف ونتيجة لنفوق عدد من الدواجن في البلاد، سجلت اسعار الدواجن في الاسابيع الثلاثة الماضية ارتفاعا بنسبة 30 %، كل هذه الارتفاعات والحكومة لم تحرر بشكل نهائي اسعار المحروقات.
الخطط الرسمية تشير الى اطلاق شبكة للامان الاجتماعي تحاكي اوضاع الفقراء وتمنحهم دعما بمستوى 165 مليون دينار للتقليل من اثر تحرير قطاع النفط لكن الارتفاعات التي ذكرناها انفا تقلل حتما من قدرة أي مواطن على مواجهة الغلاء المقبل الذي بني على غلاء قديم جديد.
واذا علمنا ان الاسرة الاردنية تنفق على الغذاء اكثر من 40 % من دخلها ، وان 90 % من غذاء الاردنيين مستورد من الخارج، فإن الارتفاعات الحالية والممهدة لارتفاعات اكبر في الاسابيع المقبلة ستعمق من حال الفقر والعوز، وستزيد من معاناة الكبار والاطفال، وفي المقابل تتفاقم ازمات الشيكات المرتجعة وتآكل رؤوس اموال التجار وتقل السيولة ويتفشى الركود بسبب تلاشي القدرة الشرائية للمستهلكين.
اذا ارادت الحكومة ان تصغي لانين الضعفاء فعليها ان تعقد خلوة لا تنفض الا بتدبير اجراءات تكفل للفئات الفقيرة من المجتمع شراء العدس والحليب والخبز بأسعار معقولة، وربما تنصرف الحكومة لاحقا للتركيز على زراعة العدس بدل العلو اكثر في ابراج ملأت السماء وتحتها اراض مل منها الشوك.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حسن احمد الشوبكي