بالي - اندونيسيا
هذه هي المرة الاولى في حياتي التي اهبط فيها تحت خط الاستواء، أي النصف الجنوبي من الكرة الارضية. وقد منحني هذا فوراً إحساساً مزعجاً تجاه الشمال الذي يحوز الاهتمام والاهمية والثروة والسلطة من ثم..
وطرح هذا الاحساس جملة افكار حول علاقتنا - نحن العرب - بغيرنا من شعوب العالم؛ وهي علاقة آن لها ان تكون موضع تساؤلٍ جديٍّ, في ضوء كل ما تقدمه العلاقات القائمة او كل ما تحجبه.
فلأسبابٍ جغرافيةٍ وتاريخية توطدت صلاتنا بالغرب الذي هو الشمال في آنٍ واحد، وهي صلات غير ديمقراطية أي غير ندية، ولن توصلنا لا في غدٍ قريب او بعيد، الى مكانٍ شريفٍ, أي محترم ولائق.
وبسبب طول مدة هذه العلاقة مع الغرب الذي هو الشمال (قرن من الزمان أو يزيد) فلقد ازدادت معرفتنا به، وبتفاصيل حضارته وثقافته، ورغبتنا المخلصة - من ثم - في التماهي بها، بينما ازداد جهلنا بالشرق الذي هو الجنوب "مثلنا" أيضاً، وانحصرت في العقود الاخيرة معرفتنا به في أمرين لا ثالث لهما: الاتجار البشري بالخدم والعمالة الآسيوية، والبضاعة اليابانية او الكورية او الصينية.
بمعنى آخر، إننا على جهل مطبق بحضارة الشرق او لنقل بحضارة آسيا. على جهل مطبق بالأخوة النظرية التي تربطنا بشعوبها، وبثقافة هذه الشعوب... إننا على جهلٍ خطير بالمعاني المشتركة التي تربطنا - دون أن ندري - بروح المعرفة هنا, وبقيم الانسانية الرقيقة والشفافة التي يريد تديننا وتصوفنا مثلاِ ان يأخذنا اليها.. إننا على جهل بالتاريخ المشترك, تاريخ الاستعمار الغربي لنا ولها, والذي يصنع - دون ان نستفيد مما يصنع - جسراً يمكن ان تعبر عليه احلامنا في غدٍ مسالمٍ وعادل.
الشمال شمال, والجنوب جنوب, والشرق شرق, والغرب غرب.. هذه هي المعادلة الآن. وما الخطاب السطحي الغربي عن التقاء الشعوب وكرامتها إلا ماكياج لتمويه حقيقة الامبراطورية الغربية (الاميركية, الفرنسية, الالمانية, الاتحاد الاوروبي...) التي تتربص بالعالم وتمد ايديها (سياساتها وجيوشها) لصنع أقداره وعلى مقاسها هي ومصالحها هي.
فما الذي يضيرنا - انظمةً وشعوباً - ان نوثق صلاتنا بهذه القارة الجميلة والغنية والباذخة بقدراتها الثقافية والانسانية، آسيا، التي نحن جزء غير قليل منها؟؟ ما الذي يضيرنا لو تعرضنا أكثر لافكارها واديانها وفلسفتها وفنونها؟ تلك التي ستلتقي مع اكثر افكارنا وفلسفتنا وادياننا اخلاصاً للطبيعة وللانسان؟! وستعدل ما شوهه التغرب والاستغراب في سلوكنا ومظاهرنا وطموحاتنا المزيفة.
لقد وصل اجدادنا المغامرون الى هذه البلاد القصية حاملين تجارتهم وافكارهم، وتركوا هنا دينهم الاسلام.
كانوا اكثر طموحاً منا، وأصبر على تقلبات الطبيعة والزمن. فكيف يمكن ان نجدد عهداً لم تكن فيه فتوحات جندٍ، ولا حروب دول، بل مصالح وتجارات ورحالة؟؟
هنا شعوب بسيطة وطيبة وطبيعية (أي أكثر التصاقاً بالطبيعة)، تحترم الطبيعة وتحبها وتعبر عن حبها واحترامها بأجمل الصور وارقاها، وتحترم العمل اليدوي وتتقنه، وتعنى بالتفاصيل.
انها بعبارة اخرى شعوب حضارات التفاصيل. وليس التعرف اليها والتواصل معها الا اغناء حقيقي لثقافتنا ومعرفتنا ووجودنا في معترك الاجتثاث والمحو.
ومثلما ثمة طب بديل, وموسيقى بديلة, وفنون بديلة, فثمة ايضاً ثقافة بديلة هي ثقافة الشعوب المهمشة: آسيا وافريقيا.. وهي ثقافة ستساعدنا على أن ننقذ جيوبنا ومن ثم كرامتنا من دفع فواتير الولاء للغرب, بأن نملأ هذه الجيوب وهذه الكرامة, بصداقة شعوب لطيفة وبالغة التواضع ولا تعاني من عقدة الاستعلاء او عقدة "الرجل الابيض" الذي يَفْضُل سائر البشر.
آسيا جميلة وغنية ومحبة لمن يقترب منها.
 

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد