عالميا، يحصل نصف سكان المعمورة على دولارين فقط في اليوم لكل فرد، ويتساوق مع ذلك غلاء في أسعار الأغذية يهدد بالمجاعة لنحو بليون شخص في الدول النامية يعانون حاليا من سوء تغذية متراكم، لكنه زاد تعقيدا منذ ستة شهور.
على المستوى المحلي، ثمة مشاهد مشابهة لمخاوف المسؤولين والمحللين الاقتصاديين من إمكانية تسلل الجوع إلى حياة الناس واتساع دائرته بفعل ارتفاع أسعار المواد والسلع الغذائية الناجم عن ارتفاعات أسعار النفط المتلاحقة، وفيما كانت الإحصاءات غير الرسمية تشير إلى وجود فقير واحد بين كل ثلاثة أردنيين قبل عامين، فإن الوضع الحالي يؤشر على وجود فقير بين كل أردنيين اثنين.
غير أن المخاوف العالمية وحتى المحلية تصبح ذات معنى ودلالة عندما نعرف أن منظمة الأغذية والزراعة "فاو" دقت ناقوس الخطر قبل يومين من خلال بيانها، الذي يؤكد أن الأزمة المالية العالمية قد تلقي بظلال ثقيلة على الفقراء والدول النامية وأسواق الغذاء بوصف عام، وطالبت المنظمة الحكومات في الدول النامية بتجنب خفض الأموال المخصصة للزراعة، كما طالبت بتبني إجراءات حمائية لأسعار الغذاء لمواجهة تداعيات الأزمة الحالية.
ولعل تركيز الحكومة -في هذا الوقت تحديدا- على دعم القطاع الزراعي في البلاد بوسائل شتى وتجاوز حالة التهميش، التي مرت على المزراعين وتجار المواد الغذائية ومصدري الخضار والفواكه منذ أكثر من أربع سنوات، يعبر عن خط جديد يمهد لتكيف أفضل مع أي تداعيات سلبية في سياق ارتفاعات محتملة لأسعار الغذاء عالميا وكذلك محليا، كما يتيح للمزارعين اللجوء إلى بدائل كثيرة في الزراعة والإنتاج والتطوير لصالح منتج أفضل بكلفة اقل.
وبالاضافة الى تحدي سعر الغذاء والتضخم المرافق لذلك، فإن عدم التماثل في توزيع الدخل على مستوى المملكة يشكل علامة فارقة في قدرة الدولة (القطاعين العام والخاص) على التجسير بين من يملك ومن لا يملك، وما نتائج دراسة مركز الدراسات الاستراتيجية الاخيرة بخصوص وضع الطبقة الوسطى سوى مؤشر على حجم البون الشاسع بين الفقراء والاغنياء وهو الذي يتسع مع الوقت ولا يتراجع، كما تشير الدراسات الاجتماعية والاقتصادية الاخرى، ولعل امتلاك 10% من السكان -فئة الاغنياء- لما يقارب 30% من الدخل وكذلك تنافس افقر 30% من السكان على 10% من الدخل، يزيد من تعقيد المشهد الاجتماعي والاقتصادي ويصعب آفاق الحل على الحكومة -أي حكومة- حتى لو تحققت لها ارادة تغيير المشهد بالفعل لا القول.
المفارقة في اسلوبية الحكومات الاردنية المتعاقبة في جانب التعاطي مع ملف الفقر انها انطوت على الانفاق غير الممنهج لسد عشرات بؤر الفقر المنتشرة من اقصى الجنوب الاردني الى اقصى شماله، بل على العكس كانت بعض الحكومات سببا في افقار مزيد من السكان وصولا الى البون الذي تؤكده مراكز الدراسات، وفي المقابل، يمكن دعم القطاع الزراعي وتنفيذ اجراءات حمائية ومتابعة الاسواق ومراقبتها وتشغيل مزيد من الاردنيين وتبني سياسة دعم الاستثمارات بناء على قدرتها في مجال تشغيل اعداد اكبر، لا ان تمول مشاريع عربية بعشرات الملايين من بنوك اردنية فيما الفائدة منها في مجال التقليص من البطالة صفرا.
في اليوم العالمي لمكافحة الفقر، الذي يصادف اليوم، ثمة الكثير مما يجب عمله وإنجازه عالميا ومحليا، لكن صدقية تنفيذ السياسات الهادفة الى تقليص الفقر هي الاهم، والانتباه الى ان الفقراء قد يكونون ضحايا للازمة المالية العالمية التي ترمي بتشوهاتها الانسان والجغرافيا في غير بقعة على امتداد الكرة الارضية .. كل عام والفقراء غير فقراء.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حسن احمد الشوبكي