تعتبر المرأة الشامية "زوجة مثالية", لأنها كما اسلفت في مقال سابق, فنانة في ادارة شؤون البيت وشؤون الاسرة, كما أنها بارعة في ممارسة الحب وفنونه.
وكما دربتها أمها فإنها تدرب ابنتها كيف تميل قلب الرجل وتسيطر عليه دون حاجة الى أمر ونهي. وصِفتُها في ممارسة الحب ذاع صيتها في الآفاق, فمن يريد نومة هنية "فليتزوج من شامية".
وليس في ذلك اي مبالغة, فالشامية صريحة في فراش زوجها, تعلن عن حاجتها بلا ادنى حرج. ولا تعتبر إمتاعه واجبا ثقيلا لأنها تقاسمه الشراكة صراحا, وتغدق عليه فلا يجد متسعا ليبصّ يمينا أو شمالا.
ولذلك فإن الرجل الشامي قد تربى على الاعتراف بحاجات المرأة وعلى احترام هذه الحاجات والحرص على تلبيتها, مما جعل العلاقة الخاصة بين المرأة الشامية ورجلها علاقة صحية قائمة على التبادل لا على التملك.
وإذا كان من حِيل اخترعت هذه العلاقة, فإن الشامية ربة المخترعات, لأن لها ألف طريقة وطريقة للوصول الى ما تريد, وليس منها المباشرة.
كلمات الحبّ في الشامية المحكيّة وعبارات الولع كثيرة وقاموسها ثخين.. وهي جميعها من اختراع المرأة تعبيرا عن عواطفها السياحة النيّاحة تجاه رجلها ومن ثم ابنائها وبناتها.
"تطلع على قبري", "تشكل آسي"، "تقبرني"، "سيد راسي"، "تكفنّي"... هي عبارات لا نجدها! الا في الشام ولا نسمعها الا من الشاميات.. وإذا كان الموت مستتراً خلف الحب فإنها الشامية هي التي "شومت" الدعاء العربي "بأبي أنت وأمي" أو " فديك" وبدل أن تكون التفدية بالأب والأم جعلت الشامية نفسها فداء من تحب. وهو تطوير راقٍ للمعنى بزّت به العرب والعروبة واللغة العربية اجمعين.
ولقد كانت عبارات الولع هذه حكراً على النساء, غير ان بعضها, "تقبرني" مثلا, تسللت الى لغة الرجل الشامي بل واللبناني, فما زاد فضل المرأة على اللغة, وهو فضل ليس في ميدان الحب فحسب.
فالمحكية الشامية من اغنى المحكيات العربية غنى وثراء بالخيال والمجاز والخفّة.. وتماثلها المحكية المصرية... فهي "الشامية" لغة رخصة مثل نسائها, ليلة مثل طباعهن. وليس المدّ والمطّ فيها الا صورة من صور الدل الذي به تقمع المرأة رفض رجلها لطلباتها أو تليّنه لرغباتها. وقد اكتسبت المحكية الشامية هذا الثراء المدهش في التعبير من غنى التفاصيل التي تحفل بها حياة المرأة أولا في بيتها, وحياة الرجل في مهن الحضارة. فالشام من اغنى مدن العالم بفنون الحرف اليدوية. وتعكس اسماء اسواقها انواع ادوات الحضارة فالبزورية والعصرونية والقزازين والنحاسين وغيرها تنبئ عن تخصصات لم تعرفها الا المدن العريقة في العالم- والشام أقدمها وأعرقها.
كل ذلك الى مطبخ الشامية وبيتها المزخرف بأروع الحفر في الحجر والخشب, وفنونها البيتية من المطرزات والمشغولات وحديقتها الداخلية المزينة بأروع النباتات والروائح والالوان حمّل المحكية الشامية جمالات فريدة في اللغة, ومجازات ثرة. وإذا كانت المحكيات الاخرى المعاصرة "وخصوصا البدوية" مذكرة بسبب استقامتها وخشونتها وتقشّفها الجمالي, فإن المحكية الشامية تنضح بالانوثة والانحناءات والاستدارات. وتظل اللغة الشامية "والمحكية عموما" مصدرا غزيرا للخيال الشعري في كل من الفصيحة والمحكية. ولولا الوقيعة بينهما والموقف الايدولوجي الازدرائي القديم من المحكية "وهو موقف ايدولوجي ازدرائي من المرأة" لكان الشعر الشامي مؤهلاً -في رأيي- للفوز في سبق الشعرية العربية.
ولهذا حديث آخر.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد