دمشق
 محمود درويش!! اذا كنت قررت السفر فعلى الاقل اعطني مهلة لأستوعب هذا المعنى الغريب الذي تساقط مثل حمم. اترك لي هنيهة اتلفظ فيها اسمك على مهل لأنعم بالربيع الذي تبذله بيسر في الاشياء عندما تمر... اترك لي قبضة من قمح اعبث بها ريثما تتعود اصابعي على عدّ الايام التي فرغت منك.
ما ضرّك مثلا لو تركت كتابا مفتوحا على منضدة تعود اليه؟ أو غرفتك مشرعة على صبح صغير؟؟
ها انت ذا في خيانة التوقع، وفي استبسال الاسماء التي تجاهد كي تلحق بظلك، انت الآن في زرقة المحنة التي تشبه ان تكون غيابك. انت الآن وراء سياج الحب الذي يسور الكاملين... ووراء المآقي التي انطوت على ابيض كالنور.. ثم انطوت على ابيض كزهر اللوز أو اعلى..
ما معنى ان ترشف فنجان قهوتك الصباحي الآن وحدك؟ وأنت ترانا من وراء الزجاج نلوح لك لكي تفتح النافذة التي تفضي الى صوتك؟؟
ما معنى ان تسير في ردهة الفندق وحدك دون ان تلحق بك الاغنيات التي طرزتها للحب؟؟
ما معنى ان تتجاسر على اغتيال الفتنة تلك التي تتساقط على الورق من اطراف اصابعك وبينما قدماك تسيران بك الى المصير؟؟ ما هذا الغلط الذي ارتكبته ايها الكامل في الابهة الكامل في المعنى؟؟ ما هذا الغلط الفظيع الذي سمحت له ان يتسلل الى صحيحك العالي؟؟ لطالما كنت على سطح دورنا التي شيدناها من اللغة تفتعل جدلا مع آلهة جديدة متناهية في الصغر وتزجي اليها رسائل الرحمة بينما مطر غزير يغسل قدميك؟؟ وبلسانك المتلعثم نفسه رحت تقرأ اثر الفراشة، وعلى الضفة الاخرى من الكون تتجمهر البراكين!!
لطالما ربحناك بينما نخسرك في رهان القلب. ربحنا وجهك الجميل وخفتك التي كريشة... ربحنا نبلك وخجلك الذي تخفيه وراء برقع من التعالي.. وكيف يتعالى من يذهب الى شعره في كل يوم ليحطم فيه مثالا بناه من قبل وعبدته الناس؟؟ كيف يتعالى من يقول: جماهيريتي ليست دليلا على جودة شعري؟ ومن يقول: انا لا استحق جائزة نوبل؟؟
أنا شخصيا نقمت على لسانك، لأنك -شئت أم أبيت- تستحق ان تعترف بك الانسانية على ظهر هذا الكوكب (ونوبل بعض هذا الاعتراف).. ان تنحني لتواضعك الشديد وانت تشيد البنيان المهيب من الشعر، وللجسر الجوي الذي خلقته بين مفردات اللغة وصور المجاز عن المعنى الفريد والعادي الذي لفلسطين.. انت تستحق ان ترصد البشرية ذريرات الاحلام التي خلقتها في صوغك الاستثنائي لإنسانية الفلسطيني.
كم كنت كبيرا وأنت تبحث في الصغير والهامشي عما تلقطه اللغة وما تطرزه على ثوب قصائدك!! وكم كنت بارعا في نحت مشروعك الجمالي وتعديله وإعادة خلقه على نحو تكون مهنتك فيه هي الحذف!!
في باكورتك ذهبت الى الايديولوجيا ولكنك في اعماق ضجيجها خرجت تغني للانسانية اكثر همومها عادية وبساطة، فلم يعد في مقدورك ان يؤجل الفلسطيني انسانيته... ان يؤجل قلبه... ان يؤجل هواجسه وتقلبات مزاجه... قررت ان الفلسطيني الذي يطالب بأرضه هو انسان ايضا، كما قررت انك تعبت من حمل فلسطن فوق كتفيك وأنك تنتظر ذلك اليوم الذي تتحرر فيه فلسطين لتستطيع ان تكون مثل اي انسان آخر على هذا الكوكب تحتفل بالهم العادي.. وها فلسطينك خذلتك فلم تتحرر.. وأنت خذلتنا فلم تنتظر.. مع اننا في كل يوم سنظل على موعد مع صوتك في حضرة الحب.. بينما قلبك المتعب يدق دقاته غير المنتظمة على حائط ايامنا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد