لا يزعل مني أحد ولا إحدى، إذا ما اقترحت على معالي وزير التربية والتعليم أن يكون الرّقص مادة أساسية في التعليم المدرسي في جميع مراحله، وخصوصا الإعدادية والثانوية.
فبدل أن يتعلم أبناؤنا وبناتنا "الرّقص على الحبال"، أو "الرّقص في العتمة" أو ارتداء عدة الرّقص والتهريج من أجل رفع فرص الحصول على صفقة او وظيفة او فرصة.. وبدل ان تظل طاقات اليافعين واليافعات الجسدية والنفسية مهدورة مبددة متجهة الى السالب من النشاط والسالب من التفكير والاهتمام.. فاني اقترح ان نعيد النظر في مفهوم الرّقص كنشاط أدائي راقٍ يقوم على احترام الجسد ابتداء، ويطوعه لجماليات لا تحصى بما يتلاءم وفكره ضمن مشروع، ويشكل في النهاية لوحة او مجموعة لوحات فنية قادرة على خلق حالة راقية من الاستمتاع.
فهذا الرقص الذي اتحدث عنه ليس إلا شكلا من أشكال المسرح الصامت الذي يستحق أن يخرجنا كشعب عربي أو مسلم من فكرتنا القبيحة عن ان الرقص استعراض لمفاتن جسد المرأة.
لقد ارتبط الرقص حقا - كفن لدينا - بصورة الرقص الشرقي الذي يظهر المرأة شبه عارية وعلى نحو بالغ الإثارة.. فتاريخيا ولد هذا الرّقص في أحضان الرق الذي حفلت به مجتمعات العصر العباسي وما بعده، حيث كان الرقص أحد المتطلبات القبلية لممارسة مهنة الرق الترفيهي وخدمة الرجل جنسيا، حيث تباع الأمة هذه بأعلى الأسعار قد تصل الى مئات ألوف الدنانير يتسابق إلى دفعها رجال الفحولة في المال والجنس.
لذا فإنه لن يفيدنا بأي حال أن نظل أسارى مفهوم متخلف للرقص نتفق جميعا على أنه امتهان لجنس النساء ولكرامتهن. ذلك أن أي "فن" أو "أدب" قائم على الإثارة ليس له مكان في قاموسنا عن الفن والأدب، الذي يصنف هذه "الفنون"!! في حقل التجارة والبزنس, حيث تتحول المرأة من كائنة خلاقة ومحترمة الى سلعة مبتذلة.. وهو الرق الجديد...
ولا بد ان اعترف في هذا السياق إنني مفتونة بفن رقص الهيب هوب "رقص الشوارع" الذي لا يشكل لوحات فنية فاتنة فحسب، بل يخرج طاقة الفتيان "والفتيات إن شئنَ" الحامضة والتي تفتك بخلايا نفوسهم الشابة، بتلك الحركة الدؤوب البارعة التي يتعلمونها ثم يؤدونها ثم يبرعون في ابتكار غيرها.
الرّقص حرية الجسد.. بهذا المعنى أؤكد على اقتراحي أعلاه، أن يصبح الرقص "التعبيري" - إن شئتم- ورقص الهيب هوب تحديدا، مادة أساسية تخرج من أجساد المراهقين والمراهقات العفاريت التي تجعلهم يكسرون المقاعد، ويمزقون الكتب إثر الامتحانات، ويحطمون الملاعب والممتلكات العامة، ويفتعلون المعارك الجسدية والكلامية إثر خسارة في مباراة أو انتخابات أو في أثناء تزاحم على شيء، أو لأجل خلاف تافه، أو التجرؤ على ضرب المعلم، أو الجنون الموسمي بعد إعلان نتائج امتحانات الثانوية العامة كالذي حدث منذ أيام.
ماذا - يا معالي وزير التربية - لو كان هذا المقترح مشروعا تجريبيا في إحدى المدارس الصعبة لديك؟؟
zulayka.abureesheh@alghad.jo

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد